يُعد الهدف الذي سجله دينيس بيركامب في مرمى المنتخب الأرجنتيني لكرة القدم في دور الثمانية بكأس العالم 1998 واحدًا من أكثر الأهداف شهرة في تاريخ كرة القدم، ليس فقط بسبب جماله الفني، بل أيضا لما حمله من أهمية حاسمة في مباراة مصيرية.
وبعد ما يقارب ثلاثة عقود على تلك اللحظة التاريخية، لا يزال الهدف يستحضر باعتباره نموذجا للإبداع والهدوء والدقة التي ميزت مسيرة النجم الهولندي.
وقال الهولندي للموقع الرسمي للاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، بعد ما يقارب ثلاثة عقود على هدفه المذهل: " عندما أختار هدفا، ليس فقط هدفا سجلته أنا، بل حتى أهداف اللاعبين الآخرين، أنظر دائما إلى السياق: ما طبيعة المباراة، من هو المنافس، وما النتيجة؟ هل كان الهدف في مباراة انتهت 5 / صفر أم 2 / 1؟ أي هدف سجلته يصنع الفارق بالنسبة لي".
كان المسرح مهيأ على أكمل وجه.
المكان: ملعب فيلودروم في مارسيليا.
المشهد: مواجهة عملاقة بين الهولنديين والأرجنتينيين على بطاقة العبور إلى قبل نهائي كأس العالم 1998.
أما الخاتمة فكانت تسديدة بيركامب التي حبست الأنفاس.
افتتح باتريك كلويفرت، المهاجم الآخر في تشكيلة المدرب جوس هيدينك، التسجيل في الدقيقة 12 بعد تمريرة حاسمة رائعة من بيركامب نفسه، حين انحنى قليلا ليهيئ الكرة برأسه بدقة في طريق كلويفرت.
لكن بعد خمس دقائق فقط، أفلت كلاوديو لوبيز من مصيدة التسلل الهولندية وأعاد التعادل بعد أن مرر الكرة بين قدمي الحارس إدوين فان دير سار.
ومع ارتفاع الرهانات واحتدام الصراع، توترت الأجواء، فحصل المدافع الهولندي آرثر نومان ونجم الأرجنتين أرييل أورتيجا على البطاقة الحمراء في حادثتين منفصلتين خلال الشوط الثاني.
ومع بلوغ الدقيقة 90، ظل التعادل 1/1 قائما، وكان كل من الفريقين يلعب بعشرة لاعبين، بينما بدا الوقت الإضافي وشيكا.
لكن لم يكن ليتوقع أن تضرب الشرارة في سماء مارسيليا الصافية في ذلك اليوم من يوليو.
فقد بدأت القصة بلمحة إبداع من القائد الهولندي فرانك دي بور، الذي أطلق تمريرة طويلة متقنة من داخل نصف ملعبه نحو مهاجم الفريق الموثوق.
وقال النجم المولود في أمستردام: " أولا، يجب أن تكون هناك علاقة تفاهم مع اللاعب الذي يمرر الكرة، بحيث تعرف أنه سيرسلها إليك، ويعرف هو أنك تركض في ذلك الاتجاه.
لذلك خلقت لنفسي بعض المساحة.
ثم يأتي الجزء الثاني، وهو أن تكون التمريرة مثالية".
وأضاف ضاحكا: " لكن حسنا.
ذلك ليس عملي! ".
ورغم أن بيركامب سبق المدافعين الأرجنتينيين بخطوة، فإنه كان لا يزال محاطا بثلاثة منافسين.
ومع ذلك، كان المهاجم الهادئ يفكر في أمر واحد فقط.
فبعد أن روض الكرة القادمة من السماء بقدمه اليمنى، انحرف غريزيا إلى الداخل متجاوزا روبرتو أيالا بلمسة ساحرة، محافظا على سيطرة مذهلة على الكرة طوال تلك الحركة الخاطفة.
وقال المهاجم: " كان علي أن أسيطر على الكرة بطريقة تبقيها قريبة مني، لأنني كنت بحاجة إلى لمسة أخرى بعدها.
وعندما تفكك الحركة إلى أجزاء مختلفة ثم تجتمع هذه الأجزاء كلها معا، عندها تسير الأمور بشكل مثالي".
وخلال ثلاث ثوان مذهلة، أطلق بيركامب تسديدة لا تصد بوجه قدمه اليمنى الخارجي متجاوزا كارلوس روا، بينما اكتفى الحارس بمشاهدة المشهد من الصف الأول، في لحظة فجّرت موجة من الفرح في صفوف الجماهير الهولندية خلف المرمى.
وقال: " إنها سنوات من التدريب.
بعد السيطرة على الكرة واللمسة الثانية، لو لم أسجل الهدف لكان ذلك خطأ مني، لأنها كانت فرصة واضحة.
كان علي فقط تجاوز الحارس ووضع الكرة في الشباك.
أما ما حدث قبل ذلك فكان شيئا مميزا".
وبعد لحظات من إسكان الكرة في الزاوية العليا، وبينما اجتاحته فرحة عارمة، ألقى النجم الهولندي بنفسه على أرض الملعب رافعًا ذراعيه نحو السماء احتفالًا، بينما تكدس زملاؤه فوقه واشتعلت الجماهير الهولندية فرحًا.
وقال متذكرا: " لا يمكنك تقليد ذلك الشعور.
إنه لا يوصف.
عندما تسجل ذلك الهدف، يحدث انفجار داخلك.
كأنه احتفال كبير في رأسك.
لا تعرف ماذا تفعل.
تدرك فقط أنك سجلت هدفا، وفزت بالمباراة، وأنك تلعب في أعلى مستوى.
عائلتك في المدرجات، وسيتم تذكرك بسبب هذا الهدف.
كل هذه الأشياء تجتمع خلال ثلاث ثوانٍ ربما".
ورغم أن المنتخب الهولندي خسر لاحقا بركلات الترجيح أمام البرازيل في قبل النهائي قبل أن تهزمه كرواتيا 2 / 1 في مباراة تحديد المركز الثالث، فإن بيركامب حجز مكانه بين أساطير اللعبة بفضل ما فعله في مارسيليا.
وقال: " تدرك ببساطة أن هذه واحدة من تلك اللحظات التي ستبقى جزءا منك طوال حياتك.
وبعد البطولة، كان الأمر الممتع بالنسبة لي أن كل من تحدث عن ذلك الهدف كان يشرح أين كان وقتها.
أحدهم كان في الملعب، وآخر كان في إجازة، وآخر في العمل.
وعندها تدرك أنك ربطت الكثير من الناس حول العالم بلحظة واحدة فقط.
وهذا ما جعلني أدرك لاحقًا أن كرة القدم توحد الناس.
".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك