مررتُ عبرَ بوابةِ الحدود،كانوا مشغولين بالنظرِ إلى الفراغ.
ألقيتُ السلامَ لكنهم لم يسمعوني،كانوا ينظرون أمامهم وكأنهم يراقبون شيئاً…سرتُ خلفهم… كانوا يمشون ببطء،يترنحون كالسكارى، حتى أصبحتُ بينهم.
نظرتُ إليهم، ألقيتُ التحية،قلتُ لهم: ها أنا، عدتُ بعد غيابٍ طويل،وضعتُ يدي على كتفِ أحدهم،أدارَ وجهَه نحوي، عيناهُ في عيني،أكملتُ الطريقَ حتى وصلتُ إلى الشارعِ الذي كبرتُ فيه،إلى البيتِ الذي ولدتُ فيه،وجدتُ أمي ترصُّ زيتوناً فقدَ لونَه،وعندما اقتربتُ، لم يكن زيتوناً…بل خيباتٍ هامدةً بعد الحربِ والخراب.
كان جالساً وراءَ البيتِ قربَ شجرةِ تين،عندما اقتربتُ منه لم يعرفني!ألقيتُ التحية، لكنه لم يجبيراقبُ شجرةَ التينِ في مخاضِهاوهي تلدُ أسماكاً قبيحة، لها أنيابُ ضبع.
جلستُ بقربه، أراقبُ الضباع،أسمعُ صوتَ طرقاتِ مكسرةِ الزيتونفيرتدُ الصدى نحيباً مخنوقاً.
فتحتُ فمي لأكلمَ أبي، لكن صوتي لم يخرج…ما قلته شيءٌ يشبهُ الجعجعةتحسست جلدي، أحسستُ بوبرِ الضباعِ ينمو عليه،وفي فمي سمكةٌ أكلَها العفنُعلقَ رأسُها بين أنيابي التي ولدت للتو.
أمسكَ أبي بيدي ونهضنا معاسرنا نحو العدم، والضباعُ تمشي أمامناتوقفتْ أمي عن رصِّ الخيباتِكلما مشينا، اختفتِ البيوتُ والحاراتُنظرتُ حولي، رأيتُ آلافاً من السائرين من كلِّ صوب،يمضغون السمك المعفن ثم يجعجعون.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك