لا تتوقف الحروب في العالم، فلا يمر يوم من دون حرب في ركن منه، لكن تحظى المنطقة العربية بجزء" جيد" من تلك الحروب التي امتدت في 28 فبراير/شباط الماضي، لتشمل دولاً كانت تصنف بأنها بعيدة عنها، وأن الصواريخ والقذائف لن تشملها، فتغيرت أنماط حياة الناس ودخلوا في عزلة منزلية تذكّر بفترة انتشار وباء كوفيد-19 عام 2020.
وخوفاً من تأثر العملية التعليمية، استعاد المشرفون عليها التعليم عن بُعد ضماناً لاستمرار الدراسة واستفادة من تجربة كورونا، مستخدمين المنصات التي انتشرت في تلك الفترة، مع تعديل وتطوير في هيكليتها يتلاءمان مع السرعة الرقمية التي ينطلق بها العالم، وكي تساير الحياة التكنولوجية التي تتبدل يومياً.
يتخوف الأهالي من هذه التجربة، فقد أبلغ كثير منهم بأن الدراسة عبر الشاشات ليست مجدية لأطفالهم، وبحدوث ثغرة معرفية لا تعوض الفاقد التعليمي الذي يضيع عندما يلجأ الكادر التدريسي إلى التكثيف اختصاراً للوقت ولصعوبة التواصل مع الطلاب جميعهم في فترة قصيرة، وأن تلك الأجهزة اللوحية تشتت انتباه أبنائهم وتجعلهم يعتمدون على التكنولوجيا بإفراط، ما يسبب لهم الإجهاد الرقمي وتأثيراً في الصحة النفسية.
وهذا يعاكس ما يحاولون السيطرة عليه بمحاولة تقليل أوقات استخدامها، وأن هذا المجال لا يوفر بيئة ملائمة للتفاعل مع الأطفال والتواصل المباشر بينهم.
لذا، يحاول الأكاديميون والدارسون تنمية مهارات المعلمين وقدراتهم على التعامل مع هذه الظروف الاستثنائية، وتقديم المعلومة بسرعة وبطريقة مبسطة، وتوظيف الأدوات الرقمية والبرمجيات الحديثة لتقديم الدروس والأنشطة التعليمية عبر الإنترنت، ليتفاعل الطالب مع مدرّسته أو مدرّسه عبر جهازه اللوحي.
هؤلاء الأطفال معتادون على الشاشات الرقمية وبيئتها، لأنهم يقضون ساعات طويلة معها، وخاضوا تجربة التعليم عن بُعد في زمن جائحة كوفيد-19.
لا ينسى أنهم جيل ألفا (Generation Alpha) الذي ولد عام 2010 وما بعده في بيئة رقمية تمثل حداً فاصلاً عن الأجيال السابقة لهم.
فقد أمست الحياة الرقمية ملجأهم ومجالهم، وتفكيرهم مبني على ما يتعلق بها، مستعملين أدواتها في القراءة والكتابة مستغنين عن الطرق التقليدية؛ فالقلم تحول قلماً ذكياً وصارت الشاشة كتاباً يقلبون صفحاته إلكترونياً، وأصبحت الكتابة والرسم بالإصبع على الشاشة مألوفَين.
تعايش هذا الجيل مع الهواتف الذكية، فقد نما في العالم الرقمي حوله، وحقله الدلالي ومفرداته معظمهما ينتمي إليه، وتفاعله مع تلك الأجهزة أمر طبيعي متعلماً منها، ومستخدماً إياها لتنمية تعليمه الذاتي، فيتمايز بذلك عن جيل زد السابق عليه الذي نشأ في زمن وسائل التواصل الاجتماعي، التي أمست أداته الأساسية في بناء العلاقات والتفاعل مع المحيط والتعبير عن الذات وبناء الشخصية، لكن تطور الوسائل التقنية والتحدث إلى الذكاء الاصطناعي والعيش افتراضياً في عالم الألعاب ووسائل التكنولوجيا التي تتطور باستمرار تجعل جيل ألفا يلهو في مجال اجتماعي لا يرى في التعليم عن بُعد أمراً طارئاً أو مختلفاً.
إن ظهور المعلمة/المعلم عبر الشاشة وإلقاءهما المعلومات بطريقة تفاعلية ليسا حدثاً غريباً، إذ إن ما يشاهده الطلاب في الألعاب والأجهزة الذكية والفيديوهات يتراءى أمامهم في الشاشة، وإن كانت المدرّسة/المدرّس اللذان اعتادوا رؤيتهما في الصف المدرسي يظهران في الآيبادات والهواتف الذكية.
فلذلك تأثير نفسي يجعلهم يقبلون على التعلم عن بُعد، ولا سيما أن التعليم الحالي يدخل أساليب البحث على الإنترنت وحضور فيديوهات على منصة يوتيوب وغيرها أو تنفيذ مشاريع دراسية ترتبط بالتجربة والتنقل بين المواقع الإلكترونية أو استخدام الذكاء الاصطناعي للوصول إلى الإجابة.
إن جيل ألفا متفوق تقنياً، يتآلف مع التكنولوجيا الحديثة لأنها متوفرة في حياته اليومية ويميل إلى هذا النوع من التعليم بعيداً عن الأساليب التقليدية التي يرى أنها باتت مستهلكة ولا فاعلية لها، حتى إنه ينظر إليها بصفتها أسلوباً قديماً لا يتواءم مع متطلباته والحياة المدرسية التي يعيشها، فقد أدخلت المدارس الأجهزة اللوحية في سير العملية التعليمية وتزود الطلاب بها في الحصص الدراسية.
ساعد ظهور التكنولوجيا جيل ألفا على التحول في طرق التعليم، الذي أصبح يعتمد عليها اعتماداً شاملاً يستند إلى التفاعل والتعلم الشخصي بدلاً من الأساليب التقليدية.
ومع استمرار تطور التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي، من المتوقع أن يتغير التعليم في المستقبل ليغدو أكثر مرونة وتفاعلاً مع احتياجات هذا الجيل، ساعياً إلى تقديم" باراديم مصغر" يقدم المعلومات وينمّي طريقة التفكير حسب أهواء الجيل الجديد لبناء أساس يفسر الأحداث ويحكم عليها ويشكل الوعي المستقبلي.
بدأ التعليم عن بُعد عام 1728 عبر الدروس بالبريد، ثم تطور مع الراديو والتلفزيون حتى الجامعات المفتوحةليس التعليم عن بُعد ظاهرة تنامت مع الظروف التي تفرضها، فقد ظهر منذ ثلاثة قرون تقريباً عندما وضع معلم الاختزال كالب فيليبس (Caleb Phillips) عام 1728 في صحيفة بوسطن غازيت إعلاناً يعد فيه الطلاب بأنه" من خلال تلقيهم العديد من الدروس أسبوعياً (عبر البريد)، يمكنهم أن يتعلموا مثالياً مثل أولئك الذين يعيشون في بوسطن".
تبعه في عام 1840 المعلم إسحق بيتمان (Isaac Pitman) بإنشاء نظام لتعليم الكتابة المختزلة في بريطانيا عبر إرسال المهمات للطلاب عبر البريد ثم يصححها ويعيدها.
وفي عام 1858 منحت جامعة لندن درجات علمية بنظام" التعليم الخارجي" للطلاب الذين لا يستطيعون الحضور، لتكون بذلك أول جامعة تعتمد هذا النظام.
ومع ظهور الراديو والتلفزيون كانت جامعة بنسلفانيا تقدم دورات تعليمية عبر شبكات الراديو عام 1922 وفي عام 1953 بثت جامعة هيوستن أولى المحاضرات الجامعية عبر التلفزيون.
ثم أدرك السلك التعليمي أن التطور في أساليب الدراسة ينحو مناحي مختلفة، فجاء إنشاء الجامعة المفتوحة (Open University) في بريطانيا عام 1969، التي كانت انقلاباً في دمج تكنولوجيا الاتصالات مع التعليم العالي.
جيل ألفا نشأ في بيئة رقمية كاملة؛ القلم صار ذكياً، والكتاب شاشة، والبحث والمعرفة يتمّان عبر الإنترنتومع بروز عصر التلفزيون وانتشار هذا الجهاز العجيب وقتها في البيوت، عمدت تلفزيونات رسمية عربية إلى بث برامج تعليمية تعين الطلاب على فهم الدروس وشرحها عبر مدرّسات ومدرّسين مختصين، مع استقبال الاتصالات والاستفسارات من الطلاب.
ولأن الاحتلال الإسرائيلي يضيّق على الطلاب الفلسطينيين ويضع العراقيل أمامهم ويصعّب الوصول إلى الجامعات ويتشدّد في تنقلاتهم، جاءت فكرة جامعة القدس المفتوحة عام 1986، التي بدأت التدريس في 1991.
استمر تطور أنظمة التعليم عن بُعد بسرعة تماشياً مع العصر الرقمي والسرعة التكنولوجية المرافقة له، فعندما تفرض الظروف الانتقال إلى التعليم عن بُعد يتحول الدارسون إلى" البيئات التعليمية الافتراضية" (Virtual Learning Environments - VLE)، التي أنشئت بحسب المتطلبات، فكانت حلاً استراتيجياً يوظف الرقمنة (Digitization) و" الحوكمة التعليمية الذكية"، الذي جعل التقاء الخطين المتوازيين بين الحرب والتعليم ممكناً في نقطة ما.
يرتكز التعليم عن بُعد على" التعلم الذاتي" (Self-Regulated Learning)، وذلك يعطي الدارس مقدرة على أن يواكب الدروس بطريقة إدراكية ديناميكية سريعة، لكن تظهر فجوة رقمية (Digital Divide) بين الفئات المتعلمة المتمثلة في جودة الإنترنت والقدرة على توفير الأجهزة اللوحية واختلاف ميزاتها، فينشأ فراغ تكنولوجي بين فئات المجتمع الرقمي يحتاج إلى جهود حثيثة لإغلاقه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك