«وأنا أحمل شمسا في يميني وأطوففي مغاليق الدجى.
جرحا يغني! ! »ذهب يناير.
تمضي الأيام.
تتسارع الشهور الأخرى من العام التاسع والستين.
عام فاصل وقاطع.
عام خريفه سيحمل حدثا يقع في البلاد.
الشلماني بعد لقائه القذافي انتابه المزيد من القلق، واستمرت الأسئلة تضج في تفكيره بلا توقف.
هل ثمة وسيلة أخرى أكثر جدوى تتوخى التغيير بهدوء؟ هل هناك سبيل ثان لا ينعطف بالبلاد ومستقبلها نحو منعرجات ومنحنيات تكون بداية لا نهاية لها من المزيد من التقلبات والاخطار؟ هل تستحق ليبيا انقلابا عسكريا يغير الواقع؟ هل ستكون ليبيا نموذجا جديدا وصورة متجددة لوسائل التغيير السياسي والاجتماعي؟ هل تحذو تجارب مماثلة في المنطقة؟ هل سُدت الطرق أمام دعاة الإصلاح في البلاد؟ لا تغيير إلا بالانقلاب.
والكثير من الأسئلة الحائرة والقلقة.
الجواب لم يكن سهلا.
لم يجده الشلماني في ثنايا تفكيره، لكنه ظل يؤمن في قناعة راسخة بأن تقصي أسباب الأزمات والمشاكل، ودراستها، واحتواؤها بطريقة ناضجة وسليمة، قد تكون هي أسلم الحلول وأنجع الأساليب.
نحن لا نحتاج إلى هذا الانقلاب، على الرغم من كل شيء، ما دمنا نملك تفكيرا يقودنا إلى أن نجنب البلاد وأجيالها كارثة لا تحمد نتائجها.
الحلول الخاطئة تقود إلى حصاد أكثر أخطاء.
مزالق الطريق تنهض، ونظل في وضع لا نحسد عليه.
القلق يدور في النفس مع ضجيج الأسئلة وصخب الأفكار.
تنازع وازدحام بشأنها في الصدر.
في العمق، ولكنه أيضا أراد أن يقف على كل الحقائق بشخصه دون واسطة.
التقى رفاقه من الضباط في كتيبة عمر المختار الذين أشار له القذافي بالاتصال بهم.
كان الواجب المفترض المسند إلى هذه الكتيبة يوم التحرك المتوقع للتغيير هو دراسة منطقة قصر ولي العهد في طرابلس، وتحديد أفضل نقاط المراقبة، والمسالك المؤدية إليه، ثم خطة قطع وسائل المواصلات، وعديد التصورات التي تكفل نجاح العمل المنتظر.
كانت بالطبع هناك حوارات وجدل بشأن هذه الموضوعات، وأخذ الحذر والانتباه الجيد لكل المفاجآت.
الكتيبة لاحقا ستنتقل برمتها من طرابلس إلى سبها، وتظل هناك إلى يوم الخامس من سبتمبر 1969.
يأتيها أمر بالاتجاه نحو بنغازي والتمركز بها، ثم الشلماني نفسه قبل هذا الانتقال ينقل من الكتيبة إلى بنغازي.
بالبوليس الحربي.
والأيام تحبل بغير المنتظر في مجمل التفكير.
وبمرور الوقت لم يجد الشلماني في تفكيره القلق ضرورة للاستمرار والعمل.
تأجل اليوم المحدد للتنفيذ، وكان يفترض في شهر مارس 1969.
عقد اجتماع غربي بسرت عند شاطئ البحر في بئر الزعفران.
حضره العديد من أعضاء التنظيم.
قدموا من معسكرات مختلفة وأماكن مختلفة أيضا.
التقوا هناك.
نقاش وأخذ ورد دون الوصول إلى نتيجة حاسمة للتنفيذ.
مخاوف تُزيد من القلق.
إشكالات وتصورات في ذهن البعض من الأعضاء من أن أي تأخير في التنفيذ سيجر مشاكل تنعكس سلبا بالضرورة على إمكانات النجاح.
القذافي كان يؤكد إصراره على المضي دون توقف في مشروعه على الرغم من التأجيل.
يهون ويقلل من أمر هذه المخاوف.
يصر بأنها مجرد وهم.
الاجتماع كان في مارس.
شمس الربيع.
والبحر الساكن يحتوي الأسرار.
والضباط الأعضاء يتحاورون.
الشلماني كان في الاجتماع يحاور، ويعد أكلة سريعة (شرمولة)، وزميله بشير هوادي بدوره يجهز الشاي للجميع على الحطب.
النار تشتعل.
ومعها يشتعل الحنين إلى شيء ما.
وشخص غريب من بعيد يمر فجأة من أمامهم.
ويمضي.
دارت شكوك حوله بأنه من عناصر المخابرات يتعقبهم ويترصد خطواتهم، وسينقل أخبارهم إلى من يهمه الأمر في البلاد.
من أخبره؟ ! من أعلمه؟ ! من أشار إليه بالذهاب إلى هذا الموقع البعيد عن الأعين؟ ! المكان خال من أي وجود، فمن ذا الذي أخبره أو أرسله؟ !ألقى السلام، واستمر في طريقه، لكن الصورة الكاملة للموجودين بقت مركزة في ذاكرته.
هل كان من المخابرات أو جهات الأمن بالفعل؟ هل أبلغ عما شاهد ورأى؟ هل وصلت الرسالة إلى مكانها؟ وماذا تم بشأنها؟ لا شيء تذكره وثائق التاريخ حتى الآن.
اختفى ذلك مع مغيب شمس ذلك اليوم.
اختفى سر من الأسرار في بئر الزعفران، وعند حواف التلال المجاورة، وفي أعماق البحر الممتد أمام الأعين.
الأسرار تحرقها أسرار أخرى مثل النار.
تظل من الطلاسم في تجاويف الزمن.
وهنا تتسارع اللحظات فيما يبقى الضوء والظل يتلازمان في هذه السيرة المطوية والمخفية ضمن تلك الأسرار، ثم يظهران ويختفيان.
يطلان في أطياف أخرى.
يتسربان بتدفق.
والأيام كما هي تمضي وتسير باتجاه سبتمبر، الذي يقترب ويلوح، وسيكون مفاجأة.
أو تحصيل حاصل أو أمرا متوقعا.
كل النتائج الراهنة ستؤدي إليه، وتقدم ما عندها على أطباق من ذهب.
سيحدث الذي كان يمكن تجنبه بالمعالجة والإصلاح والفكر والحرية.
وفي كل ذلك زمن يتشكل ويتجمع وهو شاهد على نفسه بنفسه.
زمن يشهد على زمن.
زمن يأتي بالعجيب على الدوام.
ظروفه تتعاقب ولا تقف.
والشلماني يقدم خطوة ويؤخر أخرى، ويتنازعه الصراع مع النفس.
القلق الإنساني.
الخوف من القادم.
الخوف على الزملاء، بمن فيهم القذافي بذاته.
الخوف على المستقبل.
الحل ليس هكذا يا بلادنا.
القناعة لم تترسخ كثيرا.
وعند النقل إلى بنغازي توقف الاتصال المباشر بالتنظيم سوى بين لحظات قليلة عبر هؤلاء الزملاء.
كانوا يمتلئون حماسا وشوقا للتغيير.
يرونه حلا جذريا لمشاكل ليبيا المزمنة في رأيهم.
التأجيل المستمر للتنفيذ المنتظر كان له أثر في الصراع النفسي لدى الشلماني.
وهنا في هذا الوقت من مارس وردت برقية عاجلة إلى كل وحدات الجيش، تفيد بتعيين العقيد عبدالعزيز الشلحي رئيسا للجنة إعادة تنظيم الجيش، وأصبح بهذا الوضع مختصا مباشرا بجميع شؤون الجيش الليبي، ووضعه في التدريب والتطوير والتجهيز.
صورة جديدة لحالة الجيش المتوقعة وتحديثه.
ذلك سينشأ عنه الكثير من التغيرات داخله.
وراجت أقاويل مع هذا الذي يحدث باستبدال الكثير من الضباط القدامى.
الاستغناء عن مجموعات أخرى.
إيفاد الضباط الصغار إلى منظومة الدفاع الجوي الجديدة، ونقلهم من تخصصاتهم الأصلية في المشاة والمخابرة وغيرها.
ليبيا لم تكن لديها هذه المنظومة من قبل.
الحاجة الملحة استدعت هذا التأسيس نتيجة احتياطات وتدابير من مخاوف ظلت تنهض بعد حرب يونيو 1967، وتداعياتها في المنطقة المجاورة.
ليبيا لا بد أن تأخذ حذرها.
وصلتها أنباء عن تدخلات خارجية أو غزو محتمل.
هكذا صورت المسائل في مجملها لدى المسؤولين أو كانت حقيقة بالفعل.
كان الجيش، كما يبدو، يتشكل من جديد ومعه يتشكل واقع قادم.
ستكون اللجنة من أسباب التغيير الذي سيقع.
تلك الخطوات بدأت بجدية كبيرة منذ فترة حكومة عبدالحميد البكوش، التي تركت المسؤولية في سبتمبر 1968، وقدمت أخرى برئاسة ونيس القذافي إلى سبتمبر 1969.
من سبتمبر إلى سبتمبر.
المد يعلو على الضفاف، والزمن يشهد بخطواته وأنفاسه.
القذافي يمثل أمام محكمة عسكرية في بنغازي بتهمة الإخلال بالضبط والربط بمعاقبته أحد الجنود بطريقة تخالف الأعراف العسكرية.
يتأخر عن دفعته.
يظل ملازما أول.
المباحث في طرابلس تلتقط مكالمات مفتوحة هاتفية بينه في قاريونس وبين عبد السلام جلود بطرابلس.
التسجيلات يسمعها مجلس الوزراء في إحدى جلساته.
القذافي يقابل رئيس الحكومة ونيس القذافي مرتين بمنزله في بنغازي.
يشكو له من تأخير ترقيته، ويعرض عليه الاقتران بإحدى كلماته.
يستغل اللقب المشترك.
يحذر من غياب الملك.
هنا التاريخ يتداعى.
يتحرك.
يطرق الأبواب بقوة.
التأجيلات المتكررة قد تضر بالتنظيم، وتؤدي به إلى التهلكة.
الشلماني تخفيفا للضرر، كما رأى، يجد نفسه في لقاء مباشر مع العقيد عبدالعزيز الشلحي.
يضعه في صورة قلق الأيام.
والخوف من القادم المتوقع الذي يقترب.
وعلى كل الزملاء.
لم يطرق بابا أجنبيا أو مشبوها.
اتجه إلى الرجل القوي في جيش المملكة الليبية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك