أعلن وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس اليوم الأربعاء اغتيال وزير الاستخبارات الإيراني إسماعيل خطيب، والذي تولى منصبه في أغسطس 2021؛ وذلك بعد يوم واحد فقط من اغتيال أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، وقائد قوات" الباسيج" غلام رضا سليماني.
وأثارت عمليات الاغتيال الناجحة التي نفذها جهاز الاستخبارات الإسرائيلية (الموساد) العديد من الأسئلة حول الأسباب الرئيسية التي منحت" إسرائيل" كل تلك السطوة التجسسية على طول الأراضي الإيرانية وعرضها.
في ظل تصاعد عمليات القمع التي طالما مارسها النظام الإيراني بحق الإيرانيين، وإصراره على حجب منصات التواصل الاجتماعي، لجأ الإيرانيون إلى استخدام الشبكات الافتراضية الخاصة (في بي إن) (VPN)، كوسيلة للتغلب على عمليات الحظر والحجب المتواصلة، ما وفر بيئة تجسسية خصبة لجهاز الموساد لاختراق بياناتهم والتجسس على كل كبيرة وصغيرة في إيران.
القمع وسيلة رئيسية للتجسسوبحسب تقارير إعلامية، يوجد حوالي 1.
19 مليار حساب" في بي إن" في إيران، ترتبط بـ36 شركة عالمية فقط، 24 منها تتخذ من" إسرائيل" مقرا لها، ما وفر للموساد خريطة تتبع لهمسات وأفكار الشعب الإيراني.
وتواصل لجوء الإيرانيين إلى استخدام الشبكات الافتراضية الخاصة على الرغم من التحذيرات التي أطلقتها شركة جوجل في 30 نوفمبر 2025، مؤكدة أن تلك الشبكات تحتوي على تطبيقات خبيثة تتنكر في صورة خدمات آمنة لحماية الخصوصية، بينما مهمتها الأساسية هي سرقة بيانات المستخدمين وتهديد أمنهم الرقمي وتتبع شبكة تحركاتهم الاجتماعية.
وتعمل الشبكات الافتراضية الخاصة من خلال تأمين الاتصال بالإنترنت عبر إنشاء قناة مشفرة بين الجهاز وسيرفر خارجي، ما يخفي الموقع الحقيقي للمستخدم ويمنحه قدرة الوصول إلى محتوى غير متاح في دولته.
وبحسب جوجل، تحتوي تلك الشبكات على موجة من التطبيقات التي تستغل إعلانات خادعة وإيحاءات سياسية واجتماعية لجذب المستخدمين، وبمجرد تثبيتها، تقوم هذه التطبيقات بتحميل برمجيات تجسسية قادرة على سرقة الرسائل الخاصة، وسجل التصفح، وبيانات الدخول للتطبيقات البنكية، وحتى مفاتيح محافظ العملات الرقمية.
كاميرات المراقبة المرورية في طهرانوكشف تقرير جريدة" فاينانشيال تايمز" البريطانية أن عملاء إسرائيليين اخترقوا شبكة كاميرات المراقبة المرورية في طهران واستخدموها لمراقبة تحركات المرشد الأعلى للبلاد الراحل آية الله علي خامنئي قبل اغتياله بسنوات.
وقالت الجريدة: إن" إسرائيل تمكنت من الوصول إلى معظم نظام المراقبة المرورية في إيران لتعقب تحركات الشخصيات الرئيسية، وجرى إرسال التسجيلات إلى الموساد في وقت لاحق، مما منح أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية رؤية دقيقة لروتين تحركات حراس خامنئي، بما في ذلك عناوين منازلهم، وجداولهم اليومية، والمسؤولين المكلفين بحمايتهم".
وبحسب التقرير، كشفت لقطات المراقبة أيضا عن الأوقات التي من المحتمل أن يتواجد فيها خامنئي (الأب) بمقر إقامته، وأماكن وقوف سيارات أفراد فريق حمايته، وطريقة تبديلهم للورديات؛ فيما استخدمت المعلومات الاستخباراتية لتعطيل خدمة الهاتف المحمول في شارع باستور بوسط طهران، مما أعاق قدرة أجهزة الأمن على حمايته أو الاستجابة لأي طلبات إغاثة من الأشخاص المكلفين بحراسته.
ونقلت" فاينانشيال تايمز" عن مسؤول استخباراتي إسرائيلي قوله: كنا نعرف طهران كما نعرف القدس.
وعندما تعرف مكانا جيدا كما تعرف الشارع الذي نشأت فيه، تلاحظ أي شيء غير مألوف".
وفي إطار التخطيط للعملية، استخدم الموساد تقنية تحليل الشبكات الاجتماعية، وهي أداة تحليلية تستخدم لتصوير وقياس وفهم العلاقات والروابط بين الأفراد، والمجموعات، والمؤسسات داخل شبكة معينة؛ ما ساعدها على تتبع تحركات كبار المسؤولين الإيرانيين ونظام حياتهم اليومية؛ وباستخدام هذه المعلومات، استنتج مسؤولو المخابرات الإسرائيليون والأمريكيون أن استهداف خامنئي في بداية الهجوم سيقلل من احتمالية هروبه إلى مخبأ في حال استمرار النزاع، بحسب" فاينانشيال تايمز".
وتابعت: أشارت المعلومات الاستخباراتية إلى أنه جرى استخدام كاميرات المرور المخترقة وشبكات الهواتف المخترقة لتأكيد وجود اجتماع بين خامنئي وعدد من القيادات الإيرانية؛ حيث جرى استهدافهم في لحظة واحدة.
الاستعانة بالأقمار الصناعية والتطور السيبرانيويستخدم الموساد –أيضا- التطور السيبراني في عمليات التتبع، عن طريق الأقمار الصناعية التي يجري استخدامها لرصد تحركات القيادات الإيرانية المستهدفة، إلى جانب الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في إطلاق الصواريخ والمسيرات وأسلحة التحكم عن بعد؛ ومنها برنامج" بيجاسوس" الذي يستخدمه الموساد في عمليات التجسس، ويمكنه سرقة البيانات الخاصة بالشخصيات المستهدفة دون علمهم، وتشغيل كاميرات الهاتف أو الميكروفونات لتسجيل المحادثات بسرية تامة.
الموساد يجند قيادات في الحرس الثوريولدى إيران تركيبة سكانية عانت من التهميش السياسي لفترات طويلة، ما أتاح بيئة خصبة لتجنيد العلماء؛ حيث تحولت عمليات القمع السياسي التي يمارسها النظام الإيراني ضد جماعات المعارضة إلى أداة جذب لضباط الموساد؛ ومنها ما أعلنته طهران في مايو 2012 حول اعتقال ثمانية إيرانيين وستة إيرانيات من عناصر" مجاهدي خلق" لتورطهم في عمليات اغتيال طالت علماء نوويين وقادة عسكريين.
وبحسب ما أعلنته طهران آنذاك، فقد تلقت تلك العناصر تدريبا لمدة 54 يوما على يد ضباط الموساد الإسرائيلي، وجرى تجنيدهم مقابل الحصول على 120 ألف دولار وفق مركز" شاف".
وتقول المحاضرة في الاستراتيجية والاستخبارات بقسم السياسة الدولية في جامعة آبرستويث الدكتورة أفيفا جتمان: إن" الموساد تسلل إلى الأجهزة الأمنية الإيرانية على مدى العقدين الماضيين".
اعتراف كبار القادة باختراقات الموساد لأجهزة حساسةلم تختلف تصريحات جتمان كثيرا عما قاله رؤساء إيرانيين سابقين؛ ومنهم الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد والذي أكد في تصريحات أدلى بها في يونيو 2021 اعتقال قادة في الحرس الثوري الإيراني وضباط مخابرات في 2013، بتهمة التجسس لصالح الموساد، من بينهم الضابط المسؤول عن مكافحة التجسس الإسرائيلي في وزارة الأمن الإيرانية.
وفي مرحلة لاحقة، قال نجاد إن" عميلا إيرانيا زود الموساد بمعلومات استخباراتية حاسمة أدت إلى اغتيال الأمين العام الراحل لحزب الله حسن نصر الله في 27 سبتمبر 2024"، فيما ذكرت جريدة" ذا تليجراف" البريطانية، فقد جند جهاز الموساد الإسرائيلي 3 عملاء إيرانيين لزرع المتفجرات في 3 غرف مختلفة، خلال عملية اغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة" حماس" إسماعيل هنية في مجمع مغلق للحرس الثوري شمالي طهران يعرف باسم" نشأت".
وفي السياق ذاته، أقر الرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني بتجنيد الموساد لحوالي 20 عميلا إيرانيا في واقعة سرقة الأرشيف النووي الإيراني في يناير 2018؛ وهي العملية التي نفذها الموساد خلال سبع ساعات فقط، وعاد بعدها بنصف طن من الوثائق السرية المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني كانت محفوظة في 32 خزنة سرية، ضمت فيديوهات و50 ألف ملف، و163 أسطوانة كمبيوتر.
وكان من بين أهم الملفات التي حصل عليها الموساد ملف البرنامج الإيراني العسكري لتطوير الأسلحة النووية الذي أطلق عليه اسم" برنامج عماد"، وكان يقوده عالم الذرة الإيراني محسن فخري زاده (أبو القنبلة النووية الإيرانية)، والذي اغتيل قرب طهران عام 2020، وكان يستهدف إنتاج عدد صغير من القنابل الذرية التي يمكن تركيبها على صاروخ باليستي.
تجنيد العملاء باستخدام الجنسيعد تجنيد العملاء داخل إيران أحد أهم أدوات الموساد في تنفيذ عمليات الاغتيال؛ وهو ما عبر عنه رئيس الموساد الأسبق يوسي كوهين قائلا: الموساد باتت له أعين يرى بها وأذن يسمع منها ما يجري في إيران.
وتشرف على عمليات تجنيد العملاء الإيرانيين شعبة" تسوميت" المختصة بتدريب ضباط المخابرات الإسرائيلية، الذين يجمعون المعلومات الاستخبارية على الأرض، بحسب تقرير صادر عن موقع" إنتلجنس أونلاين" الفرنسي.
ويتعمد الموساد جمع أدلة جنسية غير أخلاقية بحق القادة الذين يجري تجنيدهم وابتزازهم بمعلومات حول علاقاتهم مع بعض النساء؛ لإجبارهم على التعاون والتخابر لصالح" إسرائيل".
يتمتع الموساد بميزانية ضخمة وعدد هائل من الكوادرتبلغ ميزانية الموساد السنوية حوالي 3 مليارات دولار ويعمل به نحو 7 آلاف موظف؛ ولسنوات طويلة كان اختيار رئيس جديد للموساد سرا شديد الحفظ، ولا يعرفه سوى عدد محدود من المسؤولين في مكتب رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي، والجهاز نفسه، ولجنة الاستشارات المدنية التي تصادق على تعيين رئيس الوزراء؛ ولم يكن بوسع الحكومة أو الكنيسيت المشاركة في اختياره؛ لكن ذلك تغير في 1996 مع تعيين اللواء داني يتوم رئيسا للموساد؛ ويتعمد الموساد بث مسلسلات إسرئيلية عن إنجازاته على منصات البث، بما في ذلك المسلسلات الشهيرة" فوضى"، و" الجاسوس"، و" طهران".
وتأسس الموساد في أربعينيات القرن الماضي على يد ديفيد بن جوريون، وكان له ذراعان تمثلا في جمع المعلومات، والذي يتركز معظمه في أوروبا، والتحليل، الذي كان مقره الرئيسي في" إسرائيل".
مركز شاف للدراسات المستقبلية وتحليل الأزمات والصراعات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك