تسرد الطبيبة والداعية الإسلامية هيفاء يونس في حلقة من برنامج" دون اسم" على منصة الجزيرة 360 (يمكن مشاهدتها كاملة عبر هذا الرابط) قصة امرأة من نساء الأنصار خلَّد القرآن شكواها، حتى صار صوتها يتردد في آيات تُتلى إلى يوم القيامة.
تلك المرأة هي خولة بنت ثعلبة، التي اشتهرت بلقب" المجادِلة"، لأن قصتها وردت في مطلع سورة المجادلة بقول الله تعالى {قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ وَاللهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ}.
list 1 of 2" المجادِلة" يفوز بجائزة ريبا للعمارة في الشرق الأوسط 2025list 2 of 2المجادلة.
مركز ومسجد بقطر من أجل آفاق أرحب للنساءوتوضح الداعية هيفاء يونس أن القرآن لم يهتم باسم هذه المرأة بقدر ما اهتم بموقفها، إذ لم يذكرها صراحة، بل عرَّفها بموقفها وإيمانها، لتصبح نموذجا لكل إنسان يلجأ إلى الله حين تضيق به السبل.
وكانت خولة امرأة صالحة من نساء الأنصار، متزوجة بالصحابي أوس بن الصامت شقيق الصحابي عبادة بن الصامت، وعاشت معه حياة زوجية عادية لا تخلو من الخلافات التي قد تقع بين أي زوجين.
لكنَّ أوس كان سريع الغضب، وفي إحدى لحظات الخصام قال لزوجته عبارة كانت شائعة في الجاهلية" أنتِ عليَّ كظهر أمي"، وهو ما يُعرف في الفقه الإسلامي بـ" الظهار"، وهي صيغة كانت تجعل الزوجة محرَّمة على زوجها تحريما يشبه تحريم الأم.
وتشير الداعية إلى أن هذا القول كان من عادات الجاهلية التي بقي أثرها في المجتمع، إذ كان الرجل إذا غضب قالها لزوجته فيحرّمها على نفسه دون طلاق واضح أو حل عادل يراعي حقوق الأسرة.
وبعد أن هدأ غضب أوس خرج من البيت، ثم عاد بعد مدة محاولا استئناف حياته الزوجية كأن شيئا لم يحدث، لكنَّ خولة رفضت ذلك، وأصرت على عرض الأمر على النبي محمد ﷺ ليحكم فيه.
وتذكر الروايات أن" أوس" استحيا الذهاب إلى النبي ﷺ بنفسه، فقررت خولة أن تتوجه إليه لتعرض مشكلتها، في خطوة تعكس شجاعة امرأة أرادت إنصافا يحفظ بيتها وأولادها.
وتقول أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر -رضي الله عنهما- إن خولة عندما جاءت إلى النبي ﷺ كانت تتحدث بصوت خافت، حتى إن عائشة -وكانت في البيت- لم تسمع معظم حديثها، لكنها قالت عبارتها الشهيرة" سبحانَ مَن وَسِعَ سمعُهُ الأصوات".
وعرضت خولة قصتها على النبي ﷺ، موضحة أن زوجها رجل كبير في السن سريع الغضب، وأن ما قاله صدر في لحظة انفعال، لكنها تخشى أن يؤدي الحكم إلى فراق يضيع الأسرة.
وأجابها النبي ﷺ في البداية بما يفهم من أحكام ذلك الوقت قائلا" ما أراكِ إلا قد حُرّمتِ عليه"، لأنه لا ينطق بحكم من تلقاء نفسه بل ينتظر الوحي، كما تشير الآيتان {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} (النجم: 3-4).
لكنَّ خولة لم تيأس من محاولة إقناعه، فعادت تشرح وضعها مرة بعد أخرى، مؤكدة أنها لا تريد فراق زوجها، وأن في البيت أطفالا قد يضيعون إن تفرقت الأسرة.
وتوسلت للنبي ﷺ موضحة حال أبنائها، فقالت إن ضمَّهم أبوهم إليه ضاعوا، وإن ضمَّتهم إليها جاعوا، في تصوير مؤثر لمعاناة أم تحرص على مستقبل أولادها.
ومع تكرار الحوار لم يجد النبي ﷺ جوابا يغير الحكم، فالتجأت خولة إلى الله مباشرة، ورفعت دعاءها قائلة" اللهمَّ أنزِلْ على لسانِ نبيِّكَ ما يقضي لي في أمري"، وفي رواية أخرى قالت" اللهمَّ إليكَ أشكو حالي وفقري".
ولم تكد تنتهي من دعائها حتى نزل الوحي بآيات مطلع سورة المجادلة، لتعلن أن الله قد سمع شكواها، وليصبح صوت امرأة ضعيفة سببا في تشريع قرآني جديد.
وتوضح الداعية أن افتتاح الآية بكلمة" قد" في العربية يدل على تحقق الأمر وانتظار الفرج، وكأن الآية جاءت استجابة مباشرة لنداء خولة، مؤكدة أن الله سمع حوارها مع النبي وشكواها إليه.
ولم تقف الآيات عند بيان سماع الله شكواها، بل وضعت حكما شرعيا لمعالجة الظهار، ففرضت كفارة على من يقول تلك العبارة تبدأ بتحرير رقبة قبل أن يمس زوجته، فإن لم يستطع فعليه صيام شهرين متتابعين، فإن عجز فإطعام ستين مسكينا، وهو ترتيب تشريعي جاء ليبطل تلك العادة الجاهلية، ويمنع استخدامها سلاحا ضد النساء.
وتشير الداعية إلى أن قصة خولة لم تنتهِ عند نزول الآيات، بل بقيت حاضرة في ذاكرة الصحابة، حتى إن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- كان يجلها تقديرا لمكانتها.
فقد رُوي أنه كان يسير يوما مع بعض الصحابة، فاستوقفته امرأة عجوز ووعظته قائلة" يا عمرُ اتقِ اللهَ في الرعية"، فاستمع لها طويلا، فلما استغرب الصحابة قال" هذه امرأةٌ سَمِعَ اللهُ قولَها مِن فوقِ سبعِ سماوات".
وتختم الداعية بأن خولة لم تكن صاحبة منصب أو جاه، لكنها خُلدت في القرآن لأنها دافعت عن حقها وأصلحت أسرتها بإيمان وصبر، فصار اسمها مقرونا بآيات تُتلى إلى يوم القيامة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك