فى التاسع والعشرين من مارس عام 2015، شهد مجلس الجامعة العربية لحظة فارقة عندما وافق على مقترح السيد الرئيس عبدالفتاح السيسي بإنشاء «قوة عربية مشتركة» تهدف إلى صيانة وحفظ الأمن القومي العربي.
كان المقترح بمثابة اعتراف ضمني بأن النظام الأمني العربي التقليدي، القائم على معاهدة الدفاع المشترك التي تم توقيعها عام 1950، لم يعد قادراً على مواجهة التحديات التي تكاد تعصف بالمنطقة.
ويشهد الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة حالة من السيولة الاستراتيجية غير المسبوقة، حيث تتقاطع الأزمات الأمنية مع التحولات الجيوسياسية، في ظل تصاعد التهديدات التقليدية - وغير التقليدية - من الإرهاب العابر للحدود إلى النزاعات الإقليمية المفتوحة، مروراً بالتدخلات الخارجية المتزايدة.
وأمام هذا المشهد المعقد، وبعد مرور أكثر من عشر سنوات على الطرح المصري، تعود فكرة القوة العربية المشتركة إلى الواجهة بقوة، مدفوعة بتصعيد خطير يشهده الشرق الأوسط.
في 28 فبراير الماضي، اندلعت المواجهة العسكرية واسعة النطاق بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، حملت اسم «الغضب الملحمي»، ومعها تحولت المنطقة إلى ساحة حرب إقليمية مفتوحة، طالت تبعاتها سبع دول عربية على الأقل، تعرضت لهجمات بالصواريخ والمسيّرات، مما أعاد طرح السؤال القديم الجديد: أين هو النظام الأمني العربي؟موافقة مجلس جامعة الدول العربية على مقترح السيد الرئيس السيسي عبّرت عن إدراك صحيح لضرورة امتلاك الدول العربية أداة جماعية قادرة على التدخل السريع لمواجهة التحديات الأمنية.
غير أن هذا المشروع - رغم أهميته الاستراتيجية - لم يرَ النور عملياً، نتيجة مجموعة من العوامل المعقدة؛ أبرزها غياب التوافق الاستراتيجي بين الدول العربية المحورية، إلى جانب الحساسيات السياسية والأمنية التي حالت دون بلورة إرادة جماعية حقيقية.
كانت الرسالة المصرية واضحة: التهديدات التي تواجه الأمن القومي العربي لم تعد تقليدية، ولم تعد تعترف بالحدود، وبالتالى فإن آليات المواجهة لا يمكن أن تظل تقليدية.
ومصر، التي طالما حملت لواء الأمن القومي العربي، أدركت - مبكراً - أن غياب آلية عربية جماعية للتدخل السريع يعنى ترك الساحة مفتوحة أمام تدخلات خارجية سواء من قوى إقليمية غير عربية أو من أطراف دولية لها أجنداتها الخاصة.
واليوم تبدو المنطقة وكأنها تعيد إنتاج التحديات ذاتها، ولكن بصورة أكثر حدة وتعقيداً، فالصراعات في عدد من الدول العربية لم تحسم بعد، بل تحولت إلى بؤر مزمنة تستنزف مقدرات هذه الدول، بينما تتسع دائرة التهديدات لتشمل الأمن المائي والغذائي، إضافة إلى التنافس الدولي المحموم على النفوذ فى المنطقة.
وبالإضافة إلى كل ذلك، يأتي تراجع مفهوم الدولة الوطنية في بعض السياقات، وصعود التنظيمات المسلحة غير الحكومية، ليزيد من هشاشة المنظومة الأمنية العربية.
في هذا السياق، تكتسب الرؤية المصرية التي تم طرحها فى 2015 أهمية خاصة، وقد عكست قراءة مبكرة لمآلات المشهد الإقليمي.
انتبهت مصر - آنذاك - إلى أن التعامل الفردي لكل دولة مع التهديدات لن يكون كافياً، وأن الحاجة تفرض الانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق الفعل الجماعي المنظم.
إذاً، لم يكن مقترح القوة العربية المشتركة مجرد فكرة عسكرية، بل كان مشروعاً متكاملاً لإعادة بناء مفهوم الأمن القومى العربى على أسس جماعية، وقد أثبتت التجارب أن غياب التنسيق العربي يفتح المجال أمام القوى الإقليمية والدولية لملء الفراغ، بما قد لا يتوافق مع المصالح العربية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك