دخلت الحرب في المنطقة مرحلة أكثر حساسية بعد استهداف منشآت مرتبطة بـ حقل بارس الجنوبي، أكبر حقول الغاز في إيران، في تطور حمل دلالات تتجاوز حدود الضربة العسكرية التقليدية إلى ما هو أخطر، وهو توجيه النار نحو قلب منظومة الطاقة.
“الدستور” تكشف الكارثة بعد ضرب أكبر حقل غاز بإيران، حيث تحول الاستهداف إلى ضربة مباشرة في قلب منظومة الطاقة العالمية، مع تصاعد المخاوف من اتساع دائرة الاستهداف لتشمل منشآت إنتاج ومعالجة وتصدير في الإقليم،وحين يتعرض هذا الحقل إلى الاستهداف، فإن الرسالة تصل مباشرة إلى الاقتصاد الإيراني، وإلى أسواق الطاقة العالمية، وإلى دول الخليج التي تقف اليوم أمام تهديدات متصاعدة تطال منشآت الإنتاج والمعالجة والتصدير.
ويُعد حقل بارس الجنوبي أحد أهم الأصول الاستراتيجية في قطاع الطاقة الإيراني، لأنه يمثل الجزء الإيراني من أكبر خزان غاز مشترك في العالم مع قطر، التي تمتلك الجانب الآخر المعروف بحقل الشمال.
وتنبع أهمية الحقل من كونه العمود الفقري لإمدادات الغاز داخل إيران، حيث يغذي محطات الكهرباء، ويدعم المصانع، ويوفر الوقود لملايين المنازل، إلى جانب دوره الكبير في الصناعات البتروكيماوية والأنشطة المرتبطة بالاقتصاد الوطني.
وتشير التقديرات المتداولة إلى أن هذا الحقل يساهم بالنسبة الأكبر من إنتاج الغاز الإيراني، ما يجعله شريانًا حيويًا يصعب تعويضه سريعًا إذا تعرضت منشآته لضرر واسع أو تعطلت وحدات المعالجة فيه لفترة ممتدة.
كما أن أي خلل في عملياته ينعكس فورًا على شبكة الطاقة الداخلية، ويضغط على استهلاك الكهرباء، ويضع الصناعة أمام اختبارات صعبة، خاصة في أوقات الذروة وارتفاع الطلب.
وأعادت الضربة الأخيرة، إلى الواجهة حقيقة شديدة الوضوح، وهي أن الحرب انتقلت من مرحلة الرسائل السياسية والضربات العسكرية المحدودة إلى مرحلة استهداف أدوات القوة الاقتصادية نفسها، وهنا تكمن الخطورة الحقيقية، لأن إصابة منشآت مرتبطة ببارس الجنوبي تعني ضرب مركز إنتاج الغاز الإيراني، ودفع الأسواق إلى توقع اتساع نطاق التوتر ليشمل منشآت أخرى في الإقليم، خصوصًا في دول الخليج التي تمتلك أكبر بنية تصدير للطاقة في العالم.
وجاء هذا التطور متزامنًا مع صعود جديد في أسعار النفط والغاز، بعدما أعادت الأسواق حساباتها على أساس أن المخاطر لم تعد مرتبطة بالممرات المائية فقط، وإنما أصبحت مرتبطة أيضًا بإمكانية استهداف الحقول، ومحطات المعالجة، ومرافئ التصدير، ومنشآت الغاز الطبيعي المسال، ومن هنا عاد النفط إلى الارتفاع، وارتفعت أسعار الغاز مرة أخرى، وسط قلق متزايد من دخول المنطقة في موجة اضطراب أطول وأوسع تأثيرًا.
وتزداد خطورة المشهد لأن إيران لو قررت الرد عبر استهداف مصادر الطاقة في دول الخليج، فإن المنطقة ستكون أمام مرحلة شديدة التعقيد، فالتهديد في هذه الحالة قد يطول منشآت حيوية في السعودية أو الإمارات أو قطر، سواء عبر ضربات مباشرة أو عبر توسيع دائرة الاستهداف إلى الموانئ وخطوط الأنابيب ووحدات المعالجة والتسييل، وعند هذه النقطة، يتحول التصعيد من أزمة إيرانية داخلية إلى أزمة طاقة إقليمية ذات تأثير عالمي مباشر.
كما أن حساسية بارس الجنوبي ترتبط بطبيعته الجغرافية والاقتصادية في آن واحد.
فالحقل المشترك مع قطر يمثل قلب المعادلة الغازية في الخليج، وأي توتر عسكري في هذه المنطقة الحساسة ينعكس سريعًا على سوق الغاز العالمي، خاصة مع اعتماد عدد كبير من الدول على إمدادات الخليج، سواء في صورة غاز طبيعي مسال أو منتجات طاقة أخرى مرتبطة بسلاسل النقل والتشغيل والصناعة.
أما الأضرار الناجمة عن استهداف هذا الحقل، فهي تتوزع على أكثر من مستوى.
أولها الضرر الفني المباشر الذي قد يصيب وحدات المعالجة أو البنية التشغيلية أو أنظمة الضغط والنقل.
وثانيها الضرر الاقتصادي الناتج عن تعطل جزء من الإنتاج أو انخفاض كفاءة الإمداد الداخلي.
وثالثها الضرر النفسي في السوق، وهو أحيانًا أشد تأثيرًا من الخسائر المادية، لأن مجرد المساس بهذا النوع من الحقول الكبرى يرفع علاوة المخاطر ويدفع المتعاملين إلى التسعير على أساس الأسوأ.
ومن زاوية أوسع، فإن استهداف بارس الجنوبي يضغط بقوة على الداخل الإيراني نفسه.
فإيران تعتمد بصورة كبيرة على الغاز في تشغيل محطات الكهرباء والصناعات الثقيلة وتلبية احتياجات المنازل، وأي هزة في هذا الملف قد تفرض على الحكومة إعادة ترتيب أولويات الإمداد، وربما خفض بعض التدفقات أو منح الأولوية للسوق المحلية على حساب أي التزامات خارجية، وهو ما يزيد الضغوط على الاقتصاد في توقيت شديد الحساسية.
كذلك فإن المشهد الحالي يضع دول الخليج أمام معادلة جديدة عنوانها الحذر الشديد، فهذه الدول تدرك أن منشآت الطاقة أصبحت في قلب دائرة الاستهداف المحتمل، ما يفرض رفع درجات التأمين والاستعداد التشغيلي، ومراجعة خطط الطوارئ، وتعزيز المرونة في النقل والتصدير.
كما يدفع الشركات العالمية والمشترين والمستثمرين إلى مراقبة التطورات لحظة بلحظة، لأن أي حادث جديد قد يغيّر اتجاهات السوق خلال ساعات.
المتوقع خلال الفترة المقبلة يتوقف على مسار الردود المتبادلة.
فإذا توقفت الأمور عند حدود الضربة الحالية والتهديدات السياسية، فقد تبقى الأسواق في حالة توتر مع ارتفاعات محسوبة نسبيًا.
أما إذا اتجهت التطورات نحو ضرب منشآت إضافية في إيران أو الخليج، فإن المنطقة قد تدخل أخطر موجة اضطراب طاقوي منذ سنوات، مع صعود أكبر في أسعار النفط والغاز، وارتفاع كلفة الشحن والتأمين، وزيادة الضغوط على الدول المستوردة للطاقة، وفي مقدمتها الاقتصادات التي تعتمد على استقرار الإمدادات العالمية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك