ما يشهده الشرق الأوسط اليوم يؤكد للجميع أن التحديات العابرة للحدود، مثل الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير الشرعية، تتطلب - بالضرورة - أدوات جماعية تتجاوز قدرات أى دولة منفردة، وبالتالى، فإن إحياء مقترح الرئيس عبدالفتاح السيسى بإنشاء «قوة عربية مشتركة» لم يعد خياراً نظرياً، بل ضرورة استراتيجية.
وللصراحة، فإن إعادة طرح المشروع مجدداً تقتضى معالجة الإشكاليات التى أعاقت تنفيذه سابقاً وفى مقدمتها ضرورة بناء توافق سياسى حقيقى بين الدول العربية الكبرى، يقوم على تعريف مشترك للتهديدات والأولويات.
كما يتطلب الأمر وضع آليات واضحة وملزمة للتمويل، وهيكل قيادى محترف يضمن الكفاءة والجاهزية، مع مراعاة حساسيات السيادة الوطنية من خلال أطر قانونية وتنظيمية دقيقة.
ومع تصاعد التوترات فى المنطقة خلال الأسابيع الأخيرة، واندلاع حرب إقليمية شاملة، عاد الحديث عن القوة العربية المشتركة بقوة.
وبتوجيه من الرئيس السيسى، قام وزير الخارجية الدكتور بدر عبدالعاطى بجولة خليجية شملت قطر والكويت والبحرين، كما أجرى اتصالات مع الأردن؛ لتنسيق المواقف إزاء التطورات المتسارعة.
وخلال هذه الاتصالات، شدد «عبدالعاطى» على «الأهمية القصوى لبلورة رؤية واضحة للترتيبات الإقليمية والأمنية عقب انتهاء الحرب الدائرة الآن»، مؤكداً ضرورة «تفعيل أطر العمل العربى المشترك، واستحداث آليات أمنية فاعلة، فى مقدمتها تشكيل القوة العربية المشتركة، لضمان صون الأمن القومى العربى، وحماية مقدرات دول الإقليم من أى تهديدات مستقبلية».
الواقع أن المنطقة تواجه تحدياً وجودياً غير مسبوق.
الحرب لم تعد حرباً بالوكالة أو صراعاً محدوداً، وتحولت إلى مواجهة مباشرة باتت فيها الأراضى العربية مسرحاً للعمليات العسكرية، ومضيق هرمز ورقة ضغط على الاقتصاد العالمى، والمطارات العربية أغلقت أجواءها خشية الهجمات.
ولم تكن التحذيرات المصرية من تداعيات انزلاق المنطقة نحو «الفوضى الشاملة» مجرد خطاب دبلوماسى، بل قراءة دقيقة للمشهد.
وهناك أيضاً تهديد سيادى صريح، تمثل فى الهجمات الإيرانية على دول خليجية وعربية، والتى تجاوزت وفق بعض التقديرات - حتى الآن - أكثر من ثلاثة آلاف صاروخ وطائرة مسيّرة.
ورغم التبريرات الإيرانية بأن الاستهداف يقتصر على «المصالح والقواعد الأمريكية»، فإن الوقائع على الأرض تشير إلى سقوط ضحايا مدنيين وأضرار فى منشآت مدنية.
هذا ما يضع الدول العربية أمام اختبار حقيقى: هل يمكنها حماية سيادتها بشكل فردى؟ أم أن العمل الجماعى بات خياراً وحيداً؟
ثمة عنصر مهم فى الموقف المصرى الحالى يتعلق برفض «فرض أى ترتيبات أمنية إقليمية على الدول العربية، سواء من جانب دول إقليمية غير عربية، أو من أطراف خارج الإقليم».
هذه العبارة تحمل دلالات عميقة فى اللحظة الراهنة، فالمنطقة تشهد اليوم محاولات لإعادة ترتيب أوضاعها تحت سقف المواجهة الأمريكية - الإيرانية، وهناك مخاوف مشروعة من أن يتم رسم مستقبل الأمن الإقليمى دون استشارة الدول العربية المعنية، أو بما يخدم مصالح القوى الكبرى على حساب مصالح العرب.
مصر - وبمنتهى الوضوح - تضع مفهوم «السيادة العربية» فى قلب المعادلة، ليست السيادة الوطنية المنعزلة، وإنما السيادة الجماعية التى تتحقق عبر تنسيق عربى فاعل، فحماية السيادة العربية لا تعنى فقط رفض التدخلات الخارجية، ولكن بناء قدرات ذاتية تمكن من ردعها.
مقترح القوة العربية المشتركة أكد عمق الرؤية المصرية، وقدرتها على استشراف المستقبل، وإذا كانت الظروف فى 2015 لم تسمح بتحقيقه، فإن معطيات الحاضر تفرض إعادة النظر فيه بجدية أكبر.
ومصلحة الدولة العربية - وضمان بقائها فى بعض الحالات - باتت مرهونة بقدرتها على العمل الجماعى، وبناء منظومة أمنية مشتركة قادرة على حماية مقدراتها وصون استقرارها فى عالم لا يعترف إلا بالتكتلات القوية، وفى زمن العواصف، لا يحتمى إلا من يبنى ملاذه بيديه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك