هذه العبارة العربية المأثورة لها جذور تاريخية.
تبلورت عبر الزمن بناء على خبرات التجارة والحروب والمصائب التي مر بها المجتمع العربي وقبائله.
تعد من الأمثال الشائعة التي جرت على ألسنة الناس عبر العصور.
معناها يظهر كيف تتحول خسارة طرف إلى مكسب لطرف آخر.
فكساد سوق في دولة قد ينشط سوق دولة أخرى، وحرب تشتعل في دولة قد تفتح باب الربح لدول أخرى.
هذا ما ينطبق على حرب إيران الحالية , حيث لم تعد المصائب حبيسة حدودها الجغرافية، بل صارت ذات أثر متشعب، يتردد صداه في أسواق المال والطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.
عندما اندلعت الأزمة المالية العالمية في 2008، انهارت مؤسسات مالية كبرى في أمريكا وأوروبا، وتبخرت ثروات، وارتفعت معدلات البطالة.
في المقابل وجدت اقتصادات ناشئة في مقدمتها الصين , فرصة لتعزيز حضورها العالمي، عبر شراء أصول بأسعار منخفضة، وتوسيع نفوذها في الأسواق التي تراجعت فيها القوى التقليدية.
ثم جاءت جائحة كوفيد-19 لتقدم مثالا أكثر وضوحا وقسوة.
ففي الوقت الذي شلت فيه اقتصادات، وأُغلقت شركات، وانهارت قطاعات بأكملها كالسياحة والطيران، ازدهرت قطاعات أخرى بشكل غير مسبوق.
شركات التكنولوجيا والتجارة الإلكترونية والأدوية التي حققت أرباحا هائلة، كانت معاناة الملايين الوقود الخفي لازدهار هذه الكيانات.
في سياق الطاقة، كشفت الحرب الروسية الأوكرانية بوضوحٍ كيف تتحول الأزمات إلى فرص.
فبينما عانت أوروبا من ارتفاع أسعار الغاز واضطراب الإمدادات، استطاعت دول أخرى إعادة توجيه صادراتها وتحقيق عوائد أكبر من ارتفاع الأسعار.
كما ظهرت مستفيدون جدد في سوق الطاقة العالمية، مستغلين الحاجة الملحة لتعويض النقصمبدأ" مصائب قوم عند قوم فوائد" صالح لكل زمان، حاليا تجني روسيا أرباحا هائلة بسبب الحرب الإيرانية.
صارت تبيع بترولها من خام الأورال بأسعار تواكب أسعار خام برنت , بعدما تجاوز سعر برميل البترول الروسي المائة دولار وهو ما يعني زيادة بنسبة 70% على سعره الأصلي وهو ما يعني مليارات الدولارات , ما يجعلها تتجاوز آثار العقوبات الغربية وتكاليف حرب أوكرانيا بنسبة كبيرة.
الصين أيضا رابحة , تبيع إيران أسلحة وتحصل منها على بترول مقابل اليوان الصيني وهو ما يعني معاملة خاصة توفر مليارات على الصين , وفي نفس الوقت تستفيد كل من الصين وروسيا من دعمهما العسكري لإيران ما يكسبهما خبرة جديد في هذا النوع من المعارك واكتشاف إمكانات خصمهما الرئيسي , أمريكا.
هذه العبارة ليست مجرد حكمة تتردد في المجالس، بل قانون اقتصادي غير مكتوب، يتكرر عبر التاريخ كلما اندلعت الحروب واهتزت موازين القوى.
فالحرب، في جوهرها، ليست فقط صداما عسكريا، بل إعادة توزيعٍ للثروة والموارد والنفوذ، حيث تنتقل الخسائر من طرف إلى أرباح لدى طرف آخر، وفق قدرة كل طرف على التموضع خارج دائرة الاستنزاف المباشر.
الصناعات العسكرية المثال الأوضح على اقتصاد المصيبة.
كل صاروخ يطلق في ساحة القتال يعني طلبا جديدا في المصانع البعيدة عن الجبهات.
شهد العالم ذلك بوضوح خلال الحرب العالمية الثانية حين تحولت أمريكا من اقتصاد متعثر إلى أكبر قوة صناعية في العالم بفضل الإنتاج الحربي، وكذلك خلال الحرب الباردة حيث استمر سباق التسلح في تغذية اقتصادات كاملة قائمة على الخوف المتبادل.
في زمنٍ أقرب، أظهرت حرب العراق كيف يمكن لعقود إعادة الإعمار وصفقات الأمن أن تفتح أبواب أرباح هائلة لشركات ودول لم تتعرض للدمار ذاته.
التاريخ يقدم أيضا مثالا بالغ الدلالة في حرب أكتوبر 1973، حين أدى قرار حظر تصدير البترول إلى ارتفاع غير مسبوق في الأسعار، فاستفادت الدول المنتجة بشكل كبير، بينما عانت اقتصادات صناعية من التضخم والركود.
الأزمة قد تكون كارثة لطرف، ونعمة لطرف آخر.
لكن الأرباح الناتجة عن الحروب غالبا ما تكون ظرفية، ترتبط بمرحلة الاضطراب لا بما بعدها.
ارتفاع أسعار الطاقة، مثلا، يدفع الدول المستهلكة إلى البحث عن بدائل، سواء عبر الطاقة المتجددة أو تنويع الموردين، ما يؤدي لاحقا إلى تراجع الأسعار وتقليص مكاسب المنتجين.
وكذلك الحال في تجارة السلاح، حيث تبلغ ذروة الطلب أثناء الصراع، ثم تنخفض حدته مع أي تهدئة أو تسوية.
في عالمٍ مترابط اقتصاديا، لم تعد الحروب أحداثا محلية التأثير، بل موجات تمتد عبر الأسواق العالمية.
فكل اضطراب كبير يعيد تشكيل سلاسل الإمداد، ويغير اتجاهات الاستثمار، ويخلق فائزين مؤقتين، لكن ضمن نظام لا يسمح بثبات المكاسب طويلا.
يظل الربح في زمن الحروب هشا، مؤقتا ومشروطا، بينما الخسارة بما تحمله من دمار بشري وعمراني الحقيقة الأكثر ثباتا.
وبين هذا وذاك، يتحرك الاقتصاد العالمي ككائنٍ حي، يتغذى على الأزمات أحيانا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك