حين أحط الرحال في القاهرة، سيكون سكني غالباً في محيط «ساحة طلعة حرب» وما يتفرّع عنها من شوارع محيطة بالساحة، وهي تعد مركز المدينة الرئيس، وقريبة الشبه في موقعها بـ»ساحة التحرير»، في بغداد وساحة «يوسف العظمة»، في دمشق.
هنا سيغدو تحرّكي سهلاً، فمن شرفة غرفتي في الفندق يمكنني أن أرى بوابة «مقهى ريش»، ومدخل الممر المؤدي إلى «مقهى زهرة البستان»، التي تكاد أن تكون ومنذ عقود طويلة مقهى المثقفين وملتقاهم الأدبي.
من هذا المكان سيكون منطلقي نحو الأماكن المألوفة، تلك التي أتردد عليها خلال مشاويري، حيث المواعيد مع الأصدقاء، والذهاب إلى معرض القاهرة الدولي للكتاب، أو الجلوس في مقاهي التحرير، حيث تجري الشمس هناك سائلة وجميلة، أو الذهاب إلى مقاهي ومطاعم «باب اللوق»، فهناك سوق عام، وشوارع مزدحمة بالسائرين، حيث الألفة المشعة بين الناس، وعربات باعة الفاكهة والأكشاك الصغيرة التي تلبّي الحاجات السريعة للناس، كبيع قناني الماء والحلوى والسجائر، فضلاً عن المحلات المختصة ببيع النظارات الطبية، وغيرها من أنواع النظارات وتصليحها أيضاً، الطبية وغيرها من أنواع النظارات.
هناك أحياناً أمضّي بعض الوقت الفائض في الجوَلان بين أكشاك الصحف والمجلات وباعة الكتب، الذين يفترشون الأرصفة، أقف لأقرأ عناوين الكتب، أو أرمي نظرة على العناوين الرئيسية للصحف المصرية، التي لا يزال بعضها يصدر يومياً.
كنا جمعاً من الأصدقاء، رجالاً ونساءً، في أحد مطاعم السمك في القاهرة، في حينها انضمت إلينا حفيدة رئيس الجمهورية العراقية السابق عبد السلام عارف، ثمة شبه من الجد متروك على سيماء السيّدة العراقية، التي تعيش منذ عقود في القاهرة.
حين أنهينا وجبة الطعام في «شارع عبد السلام عارف»، تسرّبنا الى أزقة القاهرة، بحثاً عن شرب الشاي في المقاهي الوفيرة.
في أحد النهارات سيكون لي موعد للقاء الناقد الشاب رضا عطية، وهو ناقد دؤوب ومتمرّس ونشيط.
موعد اللقاء كمكان معروف كان «سينما ريفولي»، السينما مغلقة بسبب موقعها الذي تحوّل إلى أمكنة عامة للبيع والشراء.
ما زلت وأنا في هذه السن أحنّ الى السينما القديمة، ذات الصالات الواسعة والفارهة، كونها تذكرني بسنوات شبابي الأولى في بغداد وسينماتها العديدة والكبيرة.
دور السينما في بغداد توقّفت، بينما في مصر لا تزال بعض دور السينما تعمل، نتيجة النشاط السينمائي المتواتر، الذي لم تنقطع وتيرته حتى الآن، كون مصر هي هوليوود العالم العربي.
في تلك اللحظة رحت أبحث بين دور السينما عن فيلم «الست»، هذا الذي يحكي سيرة كوكب الشرق السيدة أم كلثوم، لكن أملي خاب بعدم العثور عليه في دور السينما!حين أصل إلى «سينما ميامي» أتذكر أختها «ميامي» في بغداد، وسط شارع الرشيد، تلك السينما الجميلة التي كانت في يوم ما موجودة هناك، تغمرها أفياء الشارع العتيد، بأعمدته الكبيرة وشرفاته الشرقية الظليلة.
وأنا واقف في مدخل المترو في محطة «جمال عبد الناصر» اتقاء لحرارة الشمس القوية مقابل «سينما ريفولي»، يطل صديقي رضا، نفرح ببعض، ثم نتوجه بعدها إلى فرع تابع لـ»الهيئة العامة للكتاب»، فقد صدر للصديق كتابان وهما موجودان هناك، ورغب أن يهديهما لي، وهما من القطع الكبير موضوعهما حول الشعر، الأول بعنوان «الاغتراب في شعر سعدي يوسف»، والثاني حول شعر شاعر العامية المصري عبد الرحمن الأبنودي.
نخرج من فرع الهيئة المحاذي لبناء «القضاء العالي» ونتوجه لمقهى يعرفها الصديق رضا، تقع في إحدى الزوايا من شارع «طلعة حرب»، الطويل والمليء بالمحلات والدكاكين وحتى الدوائر الحكومية.
هناك وأنا أمشي عثرت على بناية قديمة في مدخلها كتبت لوحة «هنا عاش الفنان زكي رستم»، سألت البواب الواقف هناك: أين أقام الفنان في هذا المبنى؟ قال» في الطابق الثاني.
يبدو أن الشارع كان في يوم ما مهبطاً للفنانين والطبقة الراقية والمتوسطة، أيام الزمن الجميل، فهنا عاش الكثير من الفنانين في هذا الشارع، وحتى نهايته في «سوق التوفيقية».
مساء سأكون في مكان أليف، للقاء الصديق الروائي نعيم صبري، وهو من الشخصيات الدافئة والقريبة إلى القلب، كتابياً وشخصياً.
في اليوم التالي سأمضي إلى موعد مهم، بل الأهم في زيارتي هذه، هو زيارة متحف القاهرة الجديد، الذي أفتتح قبل شهور قليلة.
رفيقي في زيارات كهذه، وعلى نحو دائم، هو الصديق الشاعر والرحّالة باسم فرات.
كان الحجز لزيارة المتحف يتم عبر الإنترنت، وقد تمّ الحجز لكلينا بمساعدة أحد معارفه المصريين.
في العاشرة والنصف صباحاً كنا هناك، فالمواعيد دقيقة ولا تتقبّل التأخير، والدخول يتم بطريقة آلية، حديثة.
كل شيء في المتحف الجديد متقن ومدروس، حسب مواصفات المتاحف العالمية، إن لم يفقها في ذلك، بسبب حداثته ونشأته الجديدة، وهندسته عالية التقنية والتصميم.
نجول في المعرض، وهو من المعارض التي ليس في وسعك الرغبة بتركها.
لقد قضّينا فيه قرابة الثماني ساعات، ولو كان يسمح لنا بالبقاء حتى الصباح هناك لبقينا، لكن النظام هو النظام حيثما تكون، وعلينا أن نسير وفق الإرشادات والأسهم التي توصلنا للمراد ولما هو مطلوب في المتحف.
في المتحف سنرى العجائب، ولا سيّما لفائف الذهب وكرسي الذهب، وغرفة الذهب التي تحمي التابوت الذهبي للملك المصري القديم، وكذلك المحفّة الذهبية التي تُحمل عليها الملكة أو الأميرة، وأغلب مقتنيات توت عنخ آمون، ومن ضمنها قناعه وهو أغلى قطعة ذهبية في العالم، والتمثال الضخم والكبير لرمسيس الثاني، الذي يتوّج مدخل المتحف من الداخل، فقد أضيف للمعرض الجديد الكثير مما كان موجوداً في «متحف التحرير» الصغير، مقارنة بحجم هذا المتحف الهائل، موقعه مدهش بسبب وجوده المتاخم للأهرامات، وتصميمه عالمي آسر، بالرخام الذي كان رداء الصالات والمرمر الذي يحتوي المبنى، فصممت هيأته الخارجية على هيئة مثلث مقصوص ومغيّبة عنه الزوايا، ليتماهى هذا الطراز الفني مع شكل الأهرامات، فأنت حين تكون في الداخل سترى الأهرامات عبر جدار زجاجي عال، وفي الخارج ستراها وتستطيع أن تعكس الصورة الفوتوغرافية، التي ستلتقطها وأنت فيها الأهرامات وهي قائمة أمامك أو خلفك، لهذا أقول ما رأينا في المتحف كان شيئاً مذهلاً وساحراً ومدهشاً، والحديث عن المتحف يطول ويطول، ويحتاج الى عودة أخرى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك