تأتي زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى كل من قطر والإمارات لتؤكد أن تحركات مصر تنطلق من رؤية استراتيجية، تستهدف وأد محاولات الفتنة، واحتواء الأزمات، وتثبيت دعائم الأمن القومي العربي في مواجهة رياح الاضطراب العاتية.
حملت الزيارة في طياتها رسائل متعددة الأبعاد، في توقيت بالغ الحساسية، حيث تتزايد محاولات الوقيعة بين مصر وأشقائها العرب عبر حملات إعلامية ممنهجة، تستهدف ضرب الثقة، وإرباك العلاقات، وإعادة إنتاج الانقسام داخل البيت العربي.
زيارة الرئيس السيسي جاءت لتقطع الطريق على تلك المحاولات، والتأكيد على أن الروابط بين مصر ودول الخليج ليست علاقات عابرة، لكنها امتداد تاريخي واستراتيجي يقوم على وحدة المصير وتكامل المصالح.
جاءت الزيارة وسط التصعيد العسكري غير المسبوق الذي تشهده المنطقة، حيث تتعرض دول خليجية وعربية لهجمات إيرانية بالصواريخ والطائرات المسيّرة، مما ينذر بانزلاق الإقليم إلى حرب شاملة تطال أمن الطاقة والملاحة الدولية.
في هذا المشهد المتأزم، تؤكد مصر – بهذه الزيارة – حضورها الفاعل والمؤثر، وأنها تتحرك وفق رؤية استراتيجية متكاملة، ولا تترك الأمور للصدف أو لردود الفعل، لكنها تسبق الأحداث وتحتوي الأزمات قبل وصولها إلى نقطة الانفجار.
اللافت في هذه الزيارة أنها تزامنت مع محاولات مكثفة لزرع بذور الفتنة والوقيعة بين مصر وأشقائها العرب، وكما حذر المسؤولون المصريون مرارًا، هناك «فخ الفتنة» الذي يُنصب بين الدول العربية، وتحركات ممنهجة تستهدف تفكيك الموقف العربي وتأجيج الانقسامات البينية.
هنا تبرز الحكمة المصرية في التعامل مع هذه المحاولات، ليس بالانجرار خلفها، ولكن بتعزيز جسور التواصل والتشاور مع الأشقاء في اللحظات الأكثر حرجًا.
عكست لقاءات الرئيس السيسي مع الشيخ محمد بن زايد، رئيس دولة الإمارات، ومع الشيخ تميم بن حمد، أمير دولة قطر، إدراكًا مشتركًا لخطورة المرحلة، وضرورة الانتقال من رد الفعل إلى الفعل، ومن إدارة الأزمة إلى صناعة الاستقرار.
والأهم في هذه اللقاءات كان التوافق الواضح حول تطورات الأوضاع في الشرق الأوسط، في ظل تصاعد الأعمال العسكرية، وما تحمله من تداعيات خطيرة على الأمنين الإقليمي والدولي.
ما يميز هذه الزيارة أنها لم تكن مجرد جولة تضامنية عابرة، لكنها حملت تأكيدًا واضحًا على ثوابت الموقف المصري الراسخة تجاه الأمن القومي العربي.
فمصر كانت وما زالت تتعامل مع أمن الخليج باعتباره امتدادًا طبيعيًا للأمن القومي المصري، وأي تهديد يطال دول الخليج العربية هو تهديد مباشر للأمن المصري.
هذه المقولة لم تعد حبيسة التصريحات السياسية، وتجسدت في أفعال عملية على أرض الواقع.
وقد كشفت الزيارة أن مصر لا تكتفي بالمواقف السياسية، بل تقوم بدور فاعل في الاتصالات الإقليمية والدولية لوقف التصعيد.
جددت مصر إدانتها للاعتداءات التي تستهدف دول الخليج، مؤكدة تضامنها الكامل مع الإمارات وقطر في مواجهة أي تهديدات تمس سيادتهما أو أمنهما.
دلالة هذه الزيارة تتجاوز بعدها الثنائي، لتؤكد أن مصر ما زالت تلعب دورها التاريخي باعتبارها الشقيقة الكبرى، وركيزة الاستقرار في المنطقة.
فالدولة المصرية تتحرك وفق رؤية استراتيجية متكاملة، تقوم على حماية الأمن العربي باعتباره وحدة واحدة لا تقبل التجزئة.
وما يميز هذا التحرك المصري أنه يأتي في وقت يسعى فيه البعض إلى تصدير الأزمات، وإشعال بؤر التوتر داخل المنطقة، سواء عبر التصعيد العسكري أو عبر الحرب الإعلامية والنفسية.
وهنا، تلعب مصر دورًا محوريًا في احتواء هذه التوجهات، من خلال دعم الحلول السياسية، والدفع في اتجاه التهدئة، والحيلولة دون انزلاق المنطقة إلى صراعات مفتوحة قد تكون عواقبها كارثية.
ولا يمكن فصل هذه الزيارة عن السياق الدولي الأوسع، حيث تزامنت مع ما صدر عن قمة الاتحاد الأوروبي من تأكيد على أهمية التنسيق مع مصر لوقف الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وهو ما يعكس إدراكًا دوليًا متزايدًا للدور المصري المحوري في إدارة الأزمات الإقليمية.
فالقاهرة لم تعد مجرد طرف إقليمي، لكنها اليوم أصبحت شريكًا أساسيًا في صياغة الحلول، بكل ما تملكه من ثقل سياسي، وخبرة دبلوماسية، وشبكة علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف.
هذا الاعتراف الأوروبي (الدولي) بالدور المصري يعزز من أهمية التحركات الإقليمية التي تقوم بها القاهرة، ويؤكد أن مصر قادرة على أن تكون جسرًا للتواصل بين مختلف القوى، سواء على المستوى العربي أو الدولي.
والمؤكد أن المجتمع الدولي بات يدرك أن استقرار الشرق الأوسط لا يمكن تحقيقه بدون دور مصري فاعل، يقوم على التوازن، والاعتدال، والقدرة على إدارة التناقضات.
تبرز مصر بوصفها «الشقيقة الكبرى» وركيزة الاستقرار في المنطقة، ليس بادعاء الدور، بل بفعل الثقل التاريخي والجغرافي والبشري، وبفعل الخبرات المتراكمة في إدارة الأزمات والوساطات الناجحة.
مصر التي تستطيع أن تخاطب الإيرانيين والأمريكيين والأوروبيين والأشقاء العرب بلغة واحدة متوازنة، تضع نصب عينيها تحقيق الاستقرار الإقليمي ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة.
زيارة الرئيس السيسي إلى قطر والإمارات لم تكن مجرد جولة سياسية، بل كانت رسالة استراتيجية بامتياز، عنوانها «وأد الفتنة وتأكيد الثوابت».
وأكدت أن مصر ما زالت ثابتة على مواقفها، داعمة لأشقائها، حريصة على وحدة الصف العربي، ومؤمنة بأن الأمن القومي العربي كلٌّ لا يتجزأ.
وأثبتت الزيارة أيضًا أن محاولات الوقيعة بين الدول العربية، مهما تصاعدت، ستظل عاجزة أمام إرادة سياسية واعية، تدرك أن التحديات المشتركة لا يمكن مواجهتها إلا بالتكاتف، وأن المستقبل لا يُبنى بالصراعات، وإنما بالتعاون والتكامل.
هكذا، تواصل مصر أداء دورها التاريخي، ليس فقط كدولة محورية في المنطقة، بل كركيزة للاستقرار، وصمام أمان في زمن الأزمات، وقوة توازن تسعى دائمًا إلى ترجيح كفة العقل، وإعلاء صوت الحكمة.
مصر تمضي في طريقها، حاملة لواء الأمة العربية، مدافعة عن مصالحها، حريصة على أمنها واستقرارها، شقيقة كبرى تحتضن أشقاءها وتقف إلى جوارهم في الشدة قبل الرخاء.
وتبقى العبرة في الأفعال لا في الأقوال، وما فعلته مصر في هذه الأزمة خير دليل على صدق الانتماء وعمق الأخوة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك