في الأسابيع الأخيرة، أطلق النظام الإيراني صواريخ وطائرات مسيّرة باتجاه مدن ومنشآت حيوية في الإمارات والسعودية والبحرين والكويت وعُمان وقطر والأردن، واضعاً المدنيين العرب مباشرة في مرمى نيرانه.
وبالنسبة لجيراننا، فإن هذا يؤكد ما كانوا يدركونه دائماً: هذه هي الطبيعة الحقيقية لهذا النظام، ولماذا يجب أن ينتهي.
على مدى ما يقارب خمسة عقود، نشر هذا النظام الإرهابي الفوضى وسفك الدماء في منطقتنا.
دعم نظام الأسد، محولاً سوريا إلى مقبرة.
وغرس" حزب الله" كدولة داخل الدولة في لبنان.
وسلّح الحوثيين لزعزعة استقرار شبه الجزيرة العربية.
ومكّن ميليشيات في العراق تقوّض سيادته.
واستهدف المراكز الاقتصادية في السعودية والإمارات.
وأثار الاضطرابات في البحرين، عبر تغذية قوى زعزعة داخل الدول لتمديد نفوذ طهران.
غير أن هذا المشهد تغيّر الآن بشكل جذري، فالضربات العسكرية الأخيرة على النظام فتحت نافذة استراتيجية نادرة قد لا تتكرر.
فقد سقط الأسد، وتعرض" حزب الله" لضربات قاسية مع قطع خطوط إمداده من إيران عبر سوريا، وتفككت" حماس"، ويتعرض الحوثيون لضغوط مستمرة.
كما يجري تدمير البرنامج النووي العسكري للنظام، في وقت يشهد اقتصاده انهياراً حاداً وعملته تراجعاً متسارعاً.
إن ركائز عدوان هذا النظام تتهاوى في آن واحد — وهو تزامن لن يتكرر.
وبالنسبة لجيراننا، فإن ذلك يحمل دلالة تاريخية: شبكات الوكلاء التي زرعتها طهران داخل حدودكم تفقد مصادر قوتها، ونفوذ النظام يتراجع.
هذه اللحظة لم تأتِ صدفة.
لقد دفع الشعب الإيراني ثمنها دماً.
فمنذ أواخر ديسمبر، خرج الإيرانيون في أكبر موجة احتجاجات بتاريخ البلاد الحديث، شملت جميع المحافظات الـ31.
وقد ارتكب النظام مجازر بحق عشرات الآلاف، ومع ذلك استمر الإيرانيون في نضالهم.
إنه شعب يريد إسقاط هذا النظام ومستعد لدفع الثمن.
إن القضاء الكامل على البرنامج النووي العسكري الإيراني يزيل شبح سباق تسلح كارثي في المنطقة.
فامتلاك النظام لسلاح نووي كان سيدفع الشرق الأوسط إلى سباق تسلح وجودي ومكلف للغاية.
ومع سقوط النظام، سيزول هذا الكابوس.
إيران الحرة ستوقف جميع أنشطة تخصيب اليورانيوم الحساسة، وستتعاون دون شروط مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتزيل مخزوناتها من اليورانيوم المخصب، وتلتزم بالكامل بمعاهدة عدم الانتشار والبروتوكول الإضافي، بما يمنح المنطقة بأكملها ضمانات قانونية موثوقة تنهي الابتزاز النووي إلى الأبد.
ولأول مرة منذ عام 1979، يمكن لدول المنطقة إعادة توجيه ميزانياتها الدفاعية نحو التعليم والبنية التحتية وتنويع الاقتصاد، بدلاً من الردع العسكري.
ولا يتوقف العائد الاستراتيجي عند هذا الحد.
فقد أنفقت دول الشرق الأوسط مئات المليارات منذ 1979 لاحتواء تهديد صُنع في طهران — على بناء القدرات الدفاعية، والصراعات بالوكالة، واضطرابات الملاحة في البحر الأحمر بسبب الحوثيين.
هذا العصر من الإنفاق القسري قد انتهى.
إن إيران ما بعد النظام تمثل أكبر فرصة اقتصادية غير مستغلة في القرن الحادي والعشرين.
إذ تمتلك بلادنا ثاني أكبر احتياطي غاز في العالم ورابع أكبر احتياطي نفط، مع سوق استهلاكية تضم 90 مليون نسمة حُرمت من السلع والاستثمار لعقود.
وتتمتع البنوك الإقليمية وشركات الخدمات اللوجستية والتطوير العقاري بموقع مثالي لتكون بوابة عودة الاستثمارات العالمية إلى إيران.
كما يمكن لموقعنا الجغرافي أن يحول الشرق الأوسط إلى محور رئيسي لممر تجاري يمتد عبر آسيا الوسطى والهند والصين وأوروبا.
إن إيران الجديدة ستكون أكبر محرك للازدهار في تاريخ المنطقة.
لم تكن إيران دائماً مصدر تهديد لجيرانها.
قبل الثورة، عملت إيران عن قرب مع قادة عرب — من الملك فيصل إلى الشيخ زايد إلى الملك حسين إلى الرئيس السادات.
وقد ساعد والدي السلطان قابوس في الدفاع عن عُمان ضد التمرد.
كنا شركاء حقيقيين آنذاك، وسنعود شركاء حقيقيين مرة أخرى.
لقد شكلت" اتفاقيات إبراهيم" اختراقاً تاريخياً، لكنها تبقى بنية غير مكتملة دون إيران.
أما" اتفاقيات كورش" فستغير ذلك، عبر إدماج إيران ما بعد النظام في علاقات دبلوماسية رسمية مع إسرائيل والدول العربية، ما يحول" اتفاقيات إبراهيم" من بداية واعدة إلى سلام شامل ومستدام ومزدهر.
لقد دعا ملايين الإيرانيين إلى أن أتولى قيادة المرحلة الانتقالية من نظام إرهابي إلى دولة سلمية تهتم بشعبها.
وبدلاً من جار متسلط، ستجدون جاراً صالحاً من جديد.
التزامي هو ضمان انتقال منظم، واستقرار البلاد، وتمكين الإيرانيين من تقرير مستقبلهم عبر صناديق الاقتراع.
لن نكرر أخطاء المراحل الانتقالية السابقة.
سنتجنب سيناريوهات الإقصاء الشامل، ونحافظ على استمرارية مؤسسات الدولة.
وستنهي إيران دعمها لجميع الميليشيات والقوى الوكيلة، وتتوقف عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول المجاورة، وتفرج فوراً عن جميع المحتجزين الأجانب، وتتعاون إقليمياً لمكافحة الإرهاب وتهريب السلاح وعدم الاستقرار.
إن الوقوف إلى جانب الشعب الإيراني ليس عملاً خيرياً، بل استثمار استراتيجي لجعل منطقتنا من الأكثر استقراراً وأمناً وازدهاراً في العالم.
إن أكبر خطر اليوم هو التقاعس — ترك نظام جريح ومحاصر يواصل تصعيده في أيامه الأخيرة بدلاً من دعم مسار منظم نحو السلام.
معاً، يمكننا بناء شرق أوسط يقوم على السلام بدلاً من الإرهاب، والتسامح بدلاً من الطائفية، والازدهار المشترك بدلاً من الصراعات المصطنعة.
شرق أوسط يفخر به أبناؤنا.
فلنسلك هذا الطريق الجديد معاً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك