إنّ سيرة عبدالله النويس ليست سيرة فرد، بل سيرة جيلٍ آمن بالاتحاد قبل أن يصبح واقعًا، وبالإعلام قبل أن تتعدد منصاته.
أيها المشغول بذاكرة وحلم.
وبزمن انحدر من أول البذرةليدخلك في عالم اكتظ بحكاياتكأيها العاشق للمدائن التي لا تنام«النويس» كلمة الإمارات فوق المآذنلها صوت رخيم.
وسلالم من الحب تعلوفي رحاب إمارة الفجيرة، وفي أثناء مشاركتي ضمن ضيوف ملتقى الفجيرة الثاني، كان لي شرف اللقاء في مجلس سمو الشيخ محمد بن حمد الشرقي، حيث تلاقت الوجوه التي صنعت الكلمة، وأسست للمعنى، ورافقت ميلاد وطنٍ صار اليوم قصة نجاح تُروى للأجيال.
هناك، في زاوية يفيض منها الصمت أكثر مما تفيض الكلمات، التقيت الإعلامي الكبير عبدالله النويس؛ الاسم الذي ارتبط ببدايات التأسيس، وبالمشهد الإعلامي الذي تشكل مع ولادة دولة الإمارات العربية المتحدة.
رجلٌ لم يكن شاهدًا على البدايات فحسب، بل كان شريكًا في صناعتها، حاملًا صوته وقلمه ليكونا جزءًا من الرواية الوطنية الأولى.
إعلامي مخضرم تعلمنا منه هذه الحكاية الصعبة والمتعبة في مسيرة الإعلام الحديث، فكان هو الربان الذي اعتدتُ في سنوات بدء عملي الصحفي أن يكون رفيق دربي في الرجوع لعالمه والاستفادة منه، وكنتُ أمني النفس باللقاء به، وعندما تحققت اللحظة التي التقيته فيها، كانت لحظة قاسية ومؤلمة، حيث رأيته شيخًا أكل المرض من عافيته، ممسكًا به ابنه، فلم أتمالك نفسي - وأنا أغالب دموعي - أن أقبّله قبلة الوفاء، سائلًا من الله أن يمنّ عليه بالصحة والعافية.
لقد كان عبدالله النويس من الرعيل الذي آمن بأن الإعلام ليس مهنةً تؤدى، بل رسالة تُحمل.
في زمن كانت فيه الإمكانات محدودة، وكانت الكلمة مسؤوليةً ثقيلةً، ساهم مع رفاقه في وضع اللبنات الأولى لإعلام وطني يعكس هوية الدولة الفتية، ويواكب خطوات اتحادها، ويؤسس لذاكرةٍ تحفظ تفاصيل الحلم وهو يتحقق.
كان الإعلام يومها فعلًا تأسيسيًا؛ صوتًا يُعرّف الناس بوطنهم، ويقرّب المسافات بين إماراته، ويرسّخ معنى الاتحاد في الوجدان قبل أن يرسّخه في الوثائق.
وكان النويس واحدًا من أولئك الذين أدركوا مبكرًا أن الكلمة قد تبني وطنًا كما تبنيه السواعد.
غير أن المشهد الذي رأيته في المجلس حمل في طيّاته مفارقةً موجعةً.
رأيت الرجل الذي كان يومًا يسند المشهد الإعلامي، فإذا به اليوم يُسند بذراع أحد أبنائه.
كان المرض قد أثقل الجسد، وأبطأ الخطى، وخفّف من وهج الحركة، لكن شيئًا في ملامحه ظل يشي بذلك التاريخ الطويل من العطاء.
تأملت وجهه، فقرأت فيه تعب السنين، وقرأت فيه أيضًا صفحةً كاملةً من تاريخ وطن.
شعرت بحزن عميق، ليس لأن المرض سنة الحياة؛ بل لأننا نادرًا ما نتوقف طويلًا عند روادنا إلا حين يثقلهم التعب.
وكأننا نؤجّل الاعتراف بالفضل حتى تسبقنا الأيام.
كان المشهد إنسانيًا إلى أبعد الحدود: أبٌ يسنده ابنه، ورائدٌ يسنده الزمن الذي صنعه.
في تلك اللحظة تلاشى الصخب، وغاب الحديث الرسمي، ولم يبقَ سوى شعور داخلي بأن هؤلاء الرجال ليسوا مجرد أسماء في أرشيف الصحف، بل ذاكرة حية، وإن أرهقها المرض.
إن سيرة عبدالله النويس ليست سيرة فرد، بل سيرة جيلٍ آمن بالاتحاد قبل أن يصبح واقعًا، وبالإعلام قبل أن تتعدد منصاته.
جيلٌ كتب على الورق، وعلى الموجات الأولى، وعلى قلوب الناس.
وإذا كان الجسد اليوم يعتريه الضعف، فإن الأثر الذي تركه لا يعرف الوهن.
وما بين وهج البدايات وهدأة التعب، تبقى الحقيقة الأجمل: أن الرجال الذين أسسوا المعنى لا يغيبون، حتى وإن أثقلهم المرض.
يبقون في ذاكرة الوطن، وفي ضمير المهنة، وفي دعاء من عرف قدرهم.
خرجت من المجلس وأنا أحمل في قلبي امتنانًا عميقًا، وحزنًا شفيفًا، وصورةً لن أنساها: رائد كبير، أرهقته الرحلة، لكنه ما زال شامخًا في تاريخ بلاده.
رحم الله تعب الرواد، وأطال أعمارهم في الطاعة، وجزاهم عن أوطانهم خير الجزاء.
علي الستراوي - شاعر وكاتب بحريني.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك