يقولون إن الحرب ليست نزهة، أليس الأمر كذلك؟ الحرب حيواتٌ تُدمر، كان مقدراً لها أن تكون ضمن طبقة من طبقات تاريخ الإنسان، الحرب شبابٌ كانوا يحلمون بدفء البيوت، وضحكات أطفالٍ كانوا قد قرروا مجيئهم من قبل، الحرب حرائق ودمار ومزيد من البؤس البشري على هذا الكوكب الذي لم يعرف الهدوء يوماً.
الحرب أجنة لم ترَ النور بعد، أرامل وأيتام، وأمهات وآباء ثكالى؛ لكل هذا وأكثر، فإن الحرب شر مطلق يبغضه الإنسان السوي الطبيعي، وعن الحرب الدائرة في الوقت الراهن، والتي لم يسلم من شرها الداني أو القاصي، فإن أثرها كما يطال سكان طهران، يطال أبسط قروي في أقاصي دلتا مصر، ونظيره في أبعد كوخ بأقاصي أفريقيا، وشرق أوروبا، وأقاصي آسيا.
وفي هذا الصدد، تحدث الكاتب الجزائري فيصل الأحمر، في تصريحات خاصة لـ" الدستور":كل حرب تأتي مأسوفاً عليها بسبب العنت والبؤس الذي تجره على الأطرافقال" الأحمر": " لقد بدأت الحرب التي قادتها أمريكا بمعية الكيان الإسرائيلي -وربما بإيعاز منه- على دولة إيران بغياب أي قرار أممي، وانتقل جانبها غير الشرعي إلى جوانب أخرى كلها غير مقبولة، وكلها تثير الأسف مرتين؛ من باب أن كل حرب تأتي مأسوفاً عليها بسبب العنت والبؤس الذي تجره على الأطراف، وخاصة الطرف الذي تُعد أرضه مسرحاً لها.
الأسف المزدوج الذي نستشعره كمثقفين هو أن الرد الإيراني قد توجه صوب البلدان العربية المسلمة -بشيء من المنطقية وبشكل متوقع جداً لأن السلطات الإيرانية كانت قد أعلنت عنه بوضوح- وهذا أمر سوف يزرع بذوراً لشقاق كبير في المنطقة التي كان من المفروض أن تستغل مقومات الوحدة وفتح أبواب التعاون وخدمة التنمية محلياً أولاً ثم إقليمياً، وهو شيء نحن بعيدون عنه تماماً".
وتابع" الأحمر": " يبدو أن الأطماع الإسرائيلية لتحقيق المشروع التوراتي لـ (دولة إسرائيل الكبرى) هي النقطة المحركة للحرب عموماً، وهي نقطة تقف خارج الشرعية الدولية مرة أخرى.
ويُضاف إليها الظرف المسموم لملفات (إبستين) التي أدت إلى الخضوع السريع لجزء هام من الإدارة الأمريكية الممتلكة لقوة دمار هائلة، والتي يبدو أن للوبي الإسرائيلي -ممثلاً في منظمة (آيباك)- يداً قوية في التحكم في قراراتها، وهو ما يجعل كثيراً من المعلقين الحصيفين في الغرب يصورون الرئيس الأمريكي تحت إمرة الإسرائيليين، ممثلين في رئيس الوزراء المتطرف المولع بإشعال الحروب: بنيامين نتنياهو.
إذا جئنا إلى الحصائل فسوف نجد المنطقة العربية خاسرة كالعادة.
والمجال العربي الإسلامي الذي قلما كان محركاً للفتن ونادراً ما كان مطلقاً للرصاصة الأولى، نراه مرة أخرى متهماً بالعمل على تصعيد الصراعات، وسوف نجد دولاً عربية في الخليج متضررة إلى درجة كبيرة يندى لها الجبين، وحدوداً مسمومة بين بلدان هي كيانات من الأصول نفسها ومن الأعراق المتواشجة، وكثيراً ما تحمل الأسماء نفسها؛ وهذا خسران مبين".
ويرى" الأحمر" أن: " خسارة كبيرة أخرى تتمثل في كل هذه الثروات العربية المشرقية الإسلامية (والمسيحية وحتى اليهودية المنزهة عن العفن الصهيوني) التي كان يمكنها أن تكون جزءاً فعالاً في مسار التنمية، وخلق شراكات مع أطراف مفيدة لها آنياً ومستقبلياً، ولكنها عوضاً عن ذلك غارقة في استنزاف كبير للثروات والجهد وللإمكانيات المستقبلية للتنمية في حرب لا رابح فيها سوى المشروع الإسرائيلي المرتكز على التفسيرات المجنونة لنصوص توراتية لا أحد يعلم بدقة إلى ماذا تحيل، وكل ذلك في غياب تام للعمل الدبلوماسي، ولفتح منافذ الحوار، وللأصوات الحكيمة التي تم تجفيفها في الغرب وتكميمها في الشرق؛ تلك الشخصيات السياسية المرموقة التي تحمل صوت الحكمة والتي غالباً ما تلعب دوراً سلمياً هاماً في أزمنة الحرب".
واختتم مشدداً: " يبقى أنه علينا أن نحافظ على نبرة متفائلة ترتكز أولاً على التفاف كبير حول الصوت الذي انبرى يحارب النعرات المذهبية؛ فقد خفت كثيراً الصوت المعتاد بين السنة والشيعة الذي يشيطن كل منهما الآخر، رغم أنه لم ينطفئ تماماً.
وهذا مؤشر جيد على إحساس أبناء المنطقة -ممثَّلين في نخبهم الفكرية والأكاديمية والسياسية أيضاً في كثير من الأحيان- بالخطر الوجودي الذي صار محدقاً بهم في ظل مارد نووي أعمى قد يأتي على الأخضر واليابس، ومارد عسكري مولع بالنيران، كلما رمى شعلة أحرق بقعة عربية إسلامية/ مسيحية/ يهودية معتدلة، وقلما أحرق غيرها".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك