في كثير من المنظمات، حين تتعثر النتائج أو يتباطأ الأداء، لا يُعاد النظر في الهياكل أو السياسات أو طريقة بناء القرار، بل يُختصر كل شيء في فكرة واحدة تتكرر: نحن بحاجة إلى قيادة ريادية أقوى.
القيادة الريادية ليست فكرة جديدة داخل المنظمات، لكنها تحولت تدريجيًّا إلى مفهوم تُعلَّق عليه توقعات تتجاوز حدوده الفعلية.
لم يعد يُنظر إليها فقط كإطار للتوجيه واتخاذ القرار، بل كأداة يُفترض أنها قادرة على معالجة ما تعجز عنه الهياكل والسياسات والأنظمة الإدارية نفسها.
وهنا تظهر المشكلة، ليس في القيادة الريادية نفسها، بل في حجم ما يُطلب منها.
في هذا السياق، لا تُختبر القيادة الريادية بوصفها أداة للتفكير واتخاذ القرار، بل يُنتظر منها أحيانًا أن تتعامل مع قضايا لم تُعالج داخل المنظمات.
وقد تكون هذه القضايا ناتجة عن سياسات غير مكتملة أو هياكل لم تُبنَ بشكل كافٍ.
وهنا لا يرتبط الأمر بضعف القيادة الريادية، بل بطبيعة ما يُطلب منها.
ولا تكفي القيادة الريادية وحدها لإصلاح فجوات الثقافة التنظيمية، فالثقافة لا تتغير بقرار، ولا بمجرد تبنّي خطاب مختلف أو رفع سقف التوقعات، وحين يُنتظر من القيادة الريادية أن تُبدّل أنماط السلوك داخل بيئة العمل أو أن تتعامل مع مقاومة التغيير، غالبًا ما يؤدي ذلك إلى ترسيخ هذه المقاومة داخل المنظمات، لأن هذه الثقافة المؤسسية في جوهرها ليست استجابة مباشرة للقيادة، بل تتشكل تدريجيًّا مع الوقت من خلال أسلوب العمل اليومي داخل المنظمة، وطبيعة العلاقات، وما اعتاد عليه من ممارسات في العمل دون أن يُكتب أو يُعلن، الأمر الذي يجعل من الصعب على القيادة الريادية وحدها أن تعيد تشكيلها أو تفككها بسهولة مهما كان مستوى الوعي أو الحضور.
ولا يُفترض أن يُنظر إلى القيادة الريادية على أنها قادرة على إنهاء التعقيد داخل المنظمات بشكل تام، لأن التعقيد جزء من طبيعة القرار حين تتداخل المصالح وتختلف الأولويات وتتعدد المستويات، لكن دور القيادة هنا يبرز في الحد من أثر هذا التعقيد حين يتحول إلى ارتباك أو بطء أو تضارب في اتجاهات العمل، لا في افتراض أن كل ما هو معقد يمكن اختصاره دائمًا إلى قرار سريع وواضح.
ولا يمكن النظر إلى القيادة الريادية على أنها قادرة على تسريع بناء الاستقرار داخل المنظمات كما يُتوقع منها أحيانًا، لأن الاستقرار لا يظهر بمجرد إطلاق قرارات أو مبادرات، بل يتشكل تدريجيًّا مع ما يحدث فعليًّا داخل بيئة العمل ومع تفاعل الأفراد مع أساليب العمل، وحين تُدفع القرارات واللوائح ككتلة واحدة وبسرعة أكبر مما تحتمله طبيعة العمل، لا ينتج استقرار فعلي بقدر ما يظهر شكل مؤقت لا يصمد عند أول اختبار داخل بيئة العمل.
وتتجلّى حدود القيادة الريادية بوضوح حين يُفترض أنها قادرة على توحيد الرؤى المختلفة داخل المنظمات بشكل تلقائي، لأن هذا الاختلاف لا ينشأ من ضعف في القيادة بقدر ما يرتبط بطبيعة العمل داخل المنظمة واختلاف مواقع الأفراد ومسؤولياتهم، إضافة إلى ما يحمله كل فرد من خلفيات وتجارب تنعكس على طريقة فهمه للقرار والتعامل معه، وحين يُنتظر من القيادة أن تُنهي هذا التباين بسرعة أو أن تفرض توافقًا ظاهريًّا بين الجميع، لا يختفي الاختلاف فعليًّا، بل يتحول إلى درجة خفية من عدم الرضا داخل بيئة العمل، ينعكس لاحقاً في تردد أو تحفظ في تنفيذ القرارات والتعامل معها.
كما تظهر إشكالية حين يُفترض أن جميع أقسام المنظمة يمكن أن تتحرك في التغيير بالوتيرة نفسها، فبعض الأقسام تتقدم بسرعة بينما تتأخر أقسام أخرى، وحين يُنتظر من القيادة أن تفرض هذا التقدّم بشكل موحّد، لا يتحقق الانسجام المطلوب بقدر ما يظهر تفاوت في التنفيذ، ويُحمَّل الدور القيادي مسؤولية التعامل مع اختلافات لا تُحسم بقرار واحد.
ولا يتوقف الأمر عند ذلك، حين يُفترض أن القيادة الريادية قادرة على حسم القرارات بشكل سريع داخل المنظمات، لأن بعض القرارات لا تتأخر بسبب ضعف في القيادة بقدر ما ترتبط بعدم اكتمال معطياتها أو بعدم وضوح نتائجها داخل بيئة العمل، وحين يُقاس أداء القيادة بسرعة الحسم وحدها، قد يُساء فهم طبيعة القرار، لأن ما يبدو تأخيرًا في بعض القرارات لا يكون ترددًا بقدر ما يكون جزءًا من التعامل مع قرار لم تتضح ملامحه بعد.
ولفهم كيف تظهر هذه الحدود داخل المنظمات، يكفي التوقف عند مشهد يتكرر كثيرًا، حيث يُعلَن القرار في اجتماع رسمي بثقة، وتُقدَّم المرحلة القادمة على أنها مرحلة تغيير، وتُسجَّل الموافقات دون اعتراض واضح، ويغادر الجميع وهم في حالة اتفاق ظاهري، لكن بعد أيام يعود العمل إلى ما كان عليه، فلا تتغير الإجراءات ولا تتحرك الأولويات فعليًّا، ويبقى القرار الجديد كما هو دون أثر حقيقي داخل بيئة العمل، دون رفض مباشر ودون التزام فعلي، مع فرق واضح بين ما قيل داخل القاعة وما يحدث فعليًّا في العمل.
لذلك، فإن القيادة الريادية لا يمكن النظر إليها كأداة قادرة على معالجة كل ما يظهر داخل المنظمات، لأن حدودها ترتبط بطبيعة دورها لا بحجم التوقعات الموجَّهة إليها.
فالمشكلة ليست في القيادة الريادية، بل فيما يُنتظر منها، لذلك تبقى جزءًا من المنظومة المؤسسية، لا أكثر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك