في كل ثانية تمر الآن، تُباع في أعماق الشبكة المظلمة أداة هجومية جديدة، لا مصنع يُدخّن، ولا عمّال يتعبون، ولا دولة تراقب، مجرد شاشة وعملة مشفّرة وخوارزمية تتعلم بسرعة مذهلة كيف تكسر الدفاعات وتنفذ إلى الداخل، هذا ما رصدته مؤسسة Group-IB، في تقريرها لعام 2026، حين وثّقت ارتفاعًا بنسبة 371 % في منشورات المنتديات المظلمة المتعلقة بالذكاء الاصطناعي منذ عام 2019 وحده، فما يجري لم يعد مجرد تطور في الجريمة الإلكترونية - بل نشأة اقتصاد كامل في الظلام؛ اقتصاد له موردوه ومستهلكوه وأسواقه وآليات ضمان جودته، اقتصاد لا يُطبَّق عليه قانون ولا تراقبه رقابة ولا تعرف حدوده دولة.
وما يجعل “اقتصاد الظلام” ظاهرة استراتيجية لا مجرد إشكالية أمنية هو المبدأ الذي يقوم عليه وهو إزالة الحاجز بين المحترف والهاوي، فقبل خمس سنوات كان شنّ هجوم إلكتروني متطور يتطلب سنوات من التدريب والمهارات البرمجية العالية إلى جانب شبكة علاقات في العالم الجنائي الرقمي، أما اليوم فيكفي أن تملك بطاقة ائتمان مشفّرة وعنوانًا على شبكة ما، لتحصل على حزمة هجوم جاهزة، مع دعم فني واشتراك شهري وتحديثات دورية تمامًا كما تشترك في أية خدمة رقمية مشروعة، ولقد رصدت شركة Tor ما لا يقل عن 6046 حادثة اختراق وتسريب بيانات خلال عام 2025، والاتجاه لا يُشير إلى تراجع، فاقتصاد الظلام لا يبيع الجريمة، بل يبيع القدرة على ارتكابها لمن لا يعرف كيف يقوم بها وتلك هي الجريمة.
والأخطر في هذا الاقتصاد أنه يُنتج أسلحة تتعلم، فبرمجيات التصيّد الاحتيالي اليوم تُحلّل في الوقت الفعلي أيّ الأساليب اللغوية تتجاوز مرشحات البريد المزعج، وأيّة صياغات تستدرج النقر، والبرمجيات الخبيثة تُعيد كتابة شفرتها حين تُكتشف لتظهر بوجه جديد في اليوم التالي، وحملات التضليل المعلوماتي تُعدَّل آليًّا بحسب ردود فعل الجمهور المستهدف، ما يعني عمليًّا أن “صناعة الجريمة الذكية” تتطور أسرع من قدرة الدول على فهمها ناهيك عن مواجهتها، وقد رصدت ZeroFox أن منظومات الشبكة المظلمة باتت “أكثر مرونة وأصعب تفكيكًا” مع كل موجة مداهمة أمنية تطولها، لأنها تتوزع وتتجدد بدلاً من أن تنهار.
ومما لا شك فيه أن منطقة الشرق الأوسط تحديدًا والخليج العربي خصوصًا؛ تواجه هذا الاقتصاد في لحظة بالغة الصعوبة فمعدلات انتشار التقنية والهواتف الذكية فيها من الأعلى عالمياً، وبنيتها التحتية الحيوية متصلة بالإنترنت بشكل متسارع وثرواتها السيادية تجعلها هدفًا ذا قيمة استراتيجية عالية في أسواق اقتصاد الظلام.
والمواجهة الحقيقة لا تبدأ بشراء أحدث منظومات الحماية بل بتحوّل فلسفي جوهري من الأمن التفاعلي الذي يسبق الهجوم قبل وقوعه بالإضافة إلى الاستخبارات الاستباقية التي تقرأ الظلام قبل أن يصل.
كلمة أخيرة.
إن اقتصاد الظلام لن يختفي لأنه يتبع قوانين السوق الحرة لا قوانين الدول، وما ينبغي علينا فعله هو تغيير موازين القوى فيه، فحين تمتلك الدول والمؤسسات القدرة على الرؤية الاستباقية تتحول من فريسة إلى صياد، وحين تُدرج السيادة الرقمية ضمن أجندة الأمن القومي بنفس الجدية التي تُدرَج بها السيادة العسكرية، يبدأ الميزان في التحوّل، ليس لأن الجريمة ستتوقف، بل لأن تكلفتها ستصبح أعلى من أرباحها، وهذا هو المنطق الوحيد الذي يفهمه اقتصاد الظلام، “فاقتصاد الظلام لن يُهزَم بالحماية، بل بجعل تكلفة الهجوم أعلى من العائد المرتقب”.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك