يعد التعلم الفعال من أبرز القضايا التي حظيت باهتمام الباحثين في مجال التربية، ولاسيما في تدريس الرياضيات التي تتسم بطبيعة تجريدية تتطلب استراتيجيات تعليمية قائمة على الفهم والممارسة لا على الحفظ والتلقين.
وفي هذا السياق، يقدّم نموذج “ Ripples on a Pond Model” الذي طوره Phil Race إطارا تفسيريا شاملا لعملية التعلم، إذ ينظر إليها بوصفها نتاج تفاعل ديناميكي بين مجموعة من العوامل المتداخلة، مثل الدافعية، والممارسة، وبناء المعنى، والتغذية الراجعة، والتواصل، والتقويم.
ويكتسب هذا النموذج أهميته من انسجامه الواضح مع عدد من النظريات التربوية والأبحاث الحديثة في علم التعلم.
وينطلق نموذج Phil Race من التأكيد على دور الدافعية، سواء تمثلت في الرغبة في التعلم أو الإحساس بالحاجة إليه، وهو ما يتوافق مع افتراضات النظرية البنائية التي ترى أن المتعلم عنصر فاعل في بناء معرفته، لا مجرد متلق سلبي للمعلومات، فقد أشار العالمان بياجيه وفيجوتسكي إلى أن التعلم يحدث عندما ينخرط المتعلم في نشاط ذي معنى، ويشعر بأهمية ما يتعلمه، وهو ما ينسجم مع تركيز Phil Race على ضرورة توفير سياقات تعليمية تثير اهتمام المتعلمين في الرياضيات، وتربط المفاهيم المجردة بواقعهم اليومي.
كما يؤكد هذا النموذج أن التعلم الحقيقي يتحقق من خلال الممارسة والتجريب، وهو ما يتوافق مع مبادئ التعلم النشط والتعلم القائم على حل المشكلات.
فقد أظهرت دراسات عديدة أن انخراط الطلبة في حل المسائل الرياضية، وتنفيذ الأنشطة التطبيقية، والعمل الجماعي، يؤدي إلى فهم أعمق للمفاهيم مقارنة بالأساليب التقليدية المعتمدة على الشرح المباشر فقط.
ويعزز هذا التوجه ما طرحه Phil Race من أن التعلم يزداد عمقا عندما يطبق المتعلم لا عندما يكتفي بالمشاهدة أو الاستماع.
ويركز Phil Race كذلك على أهمية بناء المعنى والفهم، بحيث لا ينظر إلى النجاح في الرياضيات على أنه الوصول إلى الناتج الصحيح فحسب، بل القدرة على تفسير خطوات الحل وربط المفاهيم ببعضها البعض.
وينسجم هذا الطرح مع توجهات حديثة في تعليم الرياضيات تدعو إلى تنمية التفكير الرياضي، وتشجيع المتعلمين على استخدام استراتيجيات متنوعة في الحل، وهو ما يعزز فهم العلاقات والأفكار الأساسية التي يقوم عليها المفهوم الرياضي طويل الأمد.
وتحظى التغذية الراجعة بمكانة مركزية في نموذج Phil Race، إذ يعدها من أكثر العوامل تأثيرًا في تحسين التعلم.
وقد دعمت ذلك نتائج دراسات واسعة، أبرزها ما توصّل إليه John Hattie، والذي أظهر من خلال تحليلاته التراكمية أن التغذية الراجعة البناءة تعد من أعلى العوامل تأثيرا في تحصيل المتعلمين.
وفي سياق تعليم الرياضيات، تسهم التغذية الراجعة الفورية في مساعدة الطلبة على تصحيح أخطائهم وفهم مصادرها، ما يعزز ثقتهم بأنفسهم ويشجعهم على الاستمرار في التعلم.
كما يشير نموذج Phil Race إلى أن التعلم يتعمق عندما يتاح للمتعلمين شرح أفكارهم للآخرين، وهو ما يتوافق مع التعلم التعاوني والتواصل الرياضي.
فالتعبير اللفظي عن التفكير الرياضي يساعد الطلبة على تنظيم أفكارهم، واكتشاف مواطن الضعف في فهمهم، وبناء المعرفة بشكل تشاركي، وهي أفكار تؤكدها البحوث الحديثة في مجال التعلم الاجتماعي.
ويختتم نموذج « Ripples on a Pond Model» بالتقويم بوصفه أداة للتعلم، لا مجرد وسيلة للحكم على الأداء، وهو ما يتماشى مع توجهات التقويم التكويني التي أكد عليها باحثون مثل David Boud، حيث يرون أن إشراك المتعلم في التقويم الذاتي وتقويم الأقران يعزز الاستقلالية والتفكير النقدي.
وفي تعليم الرياضيات يسهم هذا النوع من التقويم في تنمية قدرة الطلبة على تقييم حلولهم الرياضية والحكم على جودتها وفق معايير واضحة.
وفي ضوء ما سبق، يتبين أن نموذج Phil Race لا يقوم على اجتهاد فردي معزول، بل ينسجم مع طيف واسع من النظريات التربوية والأبحاث العلمية المعاصرة.
ويظهر تطبيقه في تدريس الرياضيات أن التعلم الفعال هو عملية متكاملة تنشأ من تفاعل الدافعية، والممارسة، والفهم، والتغذية الراجعة، والتواصل، والتقويم، ما يجعله نموذجا ملائما لتطوير الممارسات التعليمية وتحسين نواتج التعلم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك