أحرص دائما على زيارة الدول صاحبة الحضارات لادراكي أنها شعوب حقيقية وليست مزيفة لها جذور في الأرض ثابتة لا تتزعزع ولا تتحرك عن مبادئها وعاداتها وتقاليدها فهي تهتم بكل ما بناه الأجداد من تاريخ مليء بالثقافات المختلفة والفنون والشاهد على ذلك ما خلفه الأجداد من آثار تؤكد رقيها وحضارتها كما أن من يتمسكون بحضارتهم هم من يتقدمون الأمم ويعملون على تطورها إلى مستقبل أفضل وحاضر مليء بالإنجازات ليكون اليوم أفضل من الأمس والغد مشرقا وتكون حضارتهم القديمة هي الممر الذي يعبرون به للمستقبل وأرى أن الصين هي واحدة من أهم الدول صاحبة التاريخ والحضارة وما تصنعه من تقدم ما هو إلا نتاج هذا الماضي العريق الذي أصبح واقعا ملموسا في شتى المجالات وفي زيارتي لدولة الصين الشعبية الشقيقة بدعوة من جريدة الشعب اليومية لمست كيف تبني الأمم مجدها من خلال المزج بين عبقرية الماضي وطموح المستقبل عبر مبادرة الحزام والطريق التي أطلقها الرئيس الصيني شي جين بينغ كمشروع حضاري واقتصادي وثقافي شاملومن المدن التي زرتها وشهدت فيها نهضة حضارية وصناعية كبرى هي مدينة لان جو بمقاطعة قانسو حيث رأيت تنمية مستدامة ناتجة عن كفاح وعمل استمر على مدار اكثر من سبعين عاما هو تاريخ الصين الحديث بدءا من الزعيم ماو تسي تونغ ودنج شياو بنج وصولا إلى الرئيس الحالي شي جين بينغ وأثناء إقامتي هناك دعيت لحضور عرض مسرحي على المسرح الكبير في مقاطعة قانسو وكانت المفاجأة هي قيمة التذكرة التي بلغت نحو مائة دولار أمريكي في عام 2018 وهو ما يعكس قيمة الفن في نظر هذا الشعب وعندما دخلت وجدت أمامي مسرحا ضخما يحمل هيبة أبو الفنون ويستخدم أحدث تقنيات التكنولوجيا في إبهار بصري ومضمون فني مكتمل وقد كان المسرح كامل العدد رغم ضخامة سعته التي تصل إلى ألف وأربعمائة وسبعين مقعدا وعلمت أن التحضير لهذا العمل استغرق عامين بمشاركة مائة ممثل وممثلة وسبعين آلة موسيقية مع توفير ترجمة فورية ليتفاعل الأجانب مع الحوار الصيني وهذا الحضور الكبير جعلني أدرك مدى رقي هذا الشعب وحرصه على بناء الإنسان ثقافيا وعلميا مع المحافظة على الهوية فالصين تدرك أن رقي الدول يبدأ باحترامها للمسرح الذي يمتد تاريخه لديهم إلى نحو ثلاثة آلاف سنةإن هذه التجربة الملهمة في الصين تعيدنا إلى واقعنا في مصر حيث يمثل المسرح في الوجدان المصري أكثر من مجرد خشبة للعرض أو وسيلة للترفيه العابر فهو الذاكرة الحية للأمة والمرآة التي عكست تحولاتها السياسية والاجتماعية على مدار عقود طويلة ومع كل حديث عن نهضة ثقافية حقيقية يبرز التساؤل الجوهري حول كيفية استعادة بريق المسرح المصري ليعود منارة للتنوير والقوة الناعمة التي ميزت ريادة مصر الإقليمية والدولية وتأتي الخطوات الراهنة التي تتخذها الدولة المصرية ممثلة في وزارة الثقافة لتعطي أملا حقيقيا في قرب انفراجة كبرى خاصة مع الاستعدادات النهائية لافتتاح مسرح مصر في قلب شارع عماد الدين بوسط القاهرة ذلك الشارع الذي لا يمثل مجرد حيز جغرافي بل هو تاريخ مسكون بأرواح كبار المبدعين الذين صاغوا وجدان الشعب المصري فإعادة إحياء النشاط المسرحي في هذا الشريان الحيوي يعد بمثابة رد اعتبار لتاريخ الفن وتأكيدا على أن القاهرة لا تزال قادرة على احتضان الإبداع وتجديد دماء أبي الفنون.
نقل لي عدد من الأصدقاء، من رؤساء مسارح الدولة والبيت الفني للمسرح، تفاصيل الرؤية الاستراتيجية الجديدة التي تتبناها الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة؛ وهي رؤية تعكس إدراكاً عميقاً للدور الحيوي الذي يلعبه المسرح في تشكيل الوعي الجمعي.
فالوزيرة، بحسب ما لمسه المسؤولون عن الشأن المسرحي، لا تنظر إلى المسرح بوصفه مجرد منشأة معمارية صماء، بل كمعقل فكري نابض يجب أن يشرع أبوابه لكافة الطاقات المبدعة.
وقد تجلى هذا الاهتمام بوضوح في إشرافها الدقيق والميداني على التفاصيل الهندسية والتقنية لـ" مسرح مصر"، حرصاً منها على خروجه بصورة تليق بعراقة الدولة المصرية وتاريخها الفني.
فمنذ توليها المسؤولية، وضعت نصب عينيها تفعيل استراتيجية شاملة تهدف إلى دمج الفنون في تفاصيل حياة المواطن اليومية، مع التركيز بشكل خاص على" إعادة الروح" للمسارح المغلقة وتحديث القائم منها وفقاً لأرقى المعايير العالمية.
ووهذا يدل انها تؤمن بأن حيوية القوة الناعمة المصرية تكمن في قدرتها على تجديد خطابها الثقافي وتقديم محتوى يمزج ببراعة بين الأصالة والحداثة؛ وهو ما يفسر توجيهاتها المستمرة منذ توليها المسئولية بتحويل" مسرح مصر" إلى مركز إشعاع وتدريب متكامل، لا يكتفي بتقديم العروض، بل يمتد ليشمل ورشاً تعليمية تُخرّج أجيالاً مسلحة بالعلم والموهبة، قادرة على استعادة الأمجاد المسرحية الضائعة.
ويأتي هذا الحراك الرسمي المكثف في توقيت دقيق، شهد فيه مسرح القطاع الخاص تراجعاً ملحوظاً حتى كاد يندثر إلا ما ندر، ليصبح مسرح الدولة حالياً هو الحامل الوحيد لشعلة التنوير في الساحة.
ومن هنا، تبرز مجهودات الدولة الحثيثة وحرصها البالغ على إحياء الحركة المسرحية الشاملة، إيماناً بضرورة تكاتف الجهود لاستعادة المسرح المصري —بقطاعيه العام والخاص— لقوته وتأثيره الريادي المعهود.
إن اختيار شارع عماد الدين ليكون مقرا لهذا الصرح الثقافي الجديد يحمل دلالات رمزية وتاريخية عميقة فهذا الشارع كان ولا يزال شاهدا على العصر الذهبي للمسرح حيث شهد انطلاق فرق كبار الفنانين أمثال نجيب الريحاني وعلي الكسار وفاطمة رشدي ويوسف وهبي وكان بمثابة برودواي الشرق لذا فإن وجود مسرح مصر في هذا الموقع التاريخي هو محاولة واعية لربط الحاضر بالماضي واستلهام روح الرواد في تقديم فن يحترم عقل المشاهد ويواكب العصر وقد جاءت جولات الدكتورة جيهان زكي لتفقد الاستعدادات النهائية لهذا المشروع لتؤكد أن الدولة تضع ملف تحديث البنية الثقافية على رأس أولوياتها معتبرة أن هذا المسرح سيمثل إضافة نوعية للبنية الأساسية للفن في مصر وسيقدم دفعة قوية للحركة المسرحية التي تحتاج دوما إلى مساحات جديدة قادرة على استيعاب طاقات الشباب والفرق المستقلةويتميز مسرح مصر بكونه صرحا متكاملا تم تصميمه وفق أحدث النظم التقنية حيث تبلغ مساحته الإجمالية حوالي تسعمائة وخمسة وعشرين مترا مربعا موزعة على خمسة طوابق مما يجعله قادرا على استيعاب عروض ضخمة وتجارب فنية متنوعة فالصالة الرئيسية التي تتسع لثلاثمائة وستين مقعدا وخشبة المسرح المجهزة بنظم إضاءة وصوت متطورة توفر للمبدعين أدوات تكنولوجية تساعدهم على تجسيد رؤاهم الفنية بأعلى جودة ممكنة كما أن وجود قاعة عرض صغرى تسع مائة وعشرين مقعدا يفتح الباب للتجارب التجريبية وعروض مسرح الغرفة التي تعتمد على القرب المباشر بين الممثل والجمهور وهذا التنوع يجعل من المبنى مركزا ثقافيا شاملا لا يقتصر دوره على العرض فقط بل يمتد ليشمل التدريب والتأهيل وهو ما يضمن استمرارية الإبداع وبناء كوادر فنية مؤهلة تقود مستقبل المسرح وتستهدف الوزارة من خلال هذا المشروع كسر المركزية الثقافية وتوجيه رسالة قوية بأن الفن هو السبيل الوحيد لمواجهة السطحية والابتذال حيث تركز الوزيرة في رؤيتها على جعل المسرح منصة حرة تحتضن كافة الاتجاهات الفنية مما يساهم في إحداث حراك ثقافي حقيقي يمتد أثره من قلب شارع عماد الدين ليصل إلى كافة ربوع الجمهورية.
إن أهمية عودة المسرح المصري في هذا التوقيت تكمن في قدرته على مواجهة الأفكار السطحية والمتطرفة من خلال طرح قضايا تمس صلب الواقع ولذلك فإن الرؤية التي طرحتها وزيرة الثقافة بضرورة أن يكون الافتتاح التجريبي عبر عرض فني مميز يعكس الإمكانات المتطورة للمسرح تعكس وعيا تاما بأن الجمهور اليوم يحتاج إلى إبهار بصري وفكري يجذبه للعودة إلى مقاعد المتفرجين مرة أخرى فالتحدي الأكبر ليس فقط في بناء المسارح بل في كيفية ملئها بمحتوى يتسم بالجودة والصدق والقدرة على المنافسة إننا بصدد مرحلة جديدة من عمر الثقافة المصرية حيث تلتقي العراقة التاريخية مع التقنيات الحديثة ليعلن المسرح المصري من جديد أنه لا يزال حيا وقادرا على العطاء وأن أنوار شارع عماد الدين لن تنطفئ أبدا طالما وجدت الإرادة والادارة الحقيقية للاستثمار في الإنسان وعقله من خلال الفن الرفيع الذي يبقى هو الحصن الأخير للجمال والقيم الإنسانية السامية في عالم يموج بالمتغيرات السريعة والمستمرة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك