لا أنسى قبل خمسة وثلاثون عامًا أو تزيد حينما راجعت أحد المحاكم للإدلاء كمزكي لأحد الزملاء الذي بدوره هو الآخر يشهد بإثبات حياة أبوي ابن عمه الذي يرغب النقل من المدينة العسكرية بتبوك إلى المدينة العسكرية بخميس مشيط …الخ.
كان من يقف قبلنا أمام الشيخ في المحكمة شاب آخر وزوجته المحجبة بجلسة لم تكن مغلقة وهما يتحاكمان فالزوج يرغب إثبات الطلاق لزوجته أمام القاضي في حين تتوسل الزوجة ويساندها بذلك الرأي القاضي أن يطعيا كل منهما فرصة الإصلاح والتراجع عن الطلاق ولكن الزوج تعجل وأعلن أمام الجميع الطلاق مما أثار غضب القاضي والزوجة وقال القاضي اذهبا لاستكمال الإجراءات فقد وقع الطلاق.
لست هنا بصدد الدفاع لأحد منهما فالبيوت أسرار ولا نعلم عن خفايا الأمور ولكن تعاطفنا مع الزوجة حينما سمعناها وهي تبكي وتتحسر وتتحسب على تصرف ذلك الزوج بالإنهاء والطلاق.
المفاجأة أنها جمعتني الصدفة قبل رمضان الماضي بالزوج الذي طلق تلك الزوجة وقد أصبح فوق الستين عامًا وأنا لا أعرفه تمام المعرفة إلا باسترجاع بعض المواقف التي أشاهده فيها على فترات متباعدة فيما بعد موقف الطلاق حينما نلتقي بالصدف أيضًا لأنه من جهة تعبد عنا بعشرات الكيلومترات.
أثناء مشاهدتي الأخيرة له رأيته في حال يرثى له وسألت بهمس لمن كان في القرب منه هل هذا فلان من المكان الفلاني قال: نعم وهل تعرفه؟ قلت أبد تذكرت موقفًا منذ زمن بعيد وأخفيت الأمر في نفسي.
حينما غادر الموقع صاحب الموقف الأول (الطلاق) تحدث لي من بقي في الجلسة بأن ذلك الرجل المسن يعاني من إعسار مادي وظروف صحية وأحوال متدهورة وأضاف أنه تزوج مرارًا ولم يوفق ولم يرزق بأبناء وأصبح يقول لمن حوله أنه سيذهب يومًا ما لدار العجزة.
لا أعلم أثناء الحديث لماذا دار بخلدي استرجاع موقف الطلاق الأول وأنه ربما ظلم تلك الزوجة التي كانت تترجاه أن يعطيها فرصة الإصلاح ولم يأبه بتوسلها بل طلقها أمام القاضي فورًا.
لا أجزم أنه ظَلَمها فربما مبرره مُقنع بالنسبة له في حينها وقد يكون ما ألم به من ظروف وطلاق اكثر من زوجة ليس له علاقة بموضوع الطلاق الأول وانما تعرضه في صوادف الحياة طهورًا وكرامة لينال به الفضل عند الله والله أعلى وأعلم بما تخفي الصدور.
انتهى موقف الأول وأعود لصاحب آخر زارني قبيل رمضان وأضناني بالفضفضة حينما كان يبث الحزن ويكثر التأوه والتذمر من تصرفات زوجته المتعبة له ولابنائهما فقد قال لي أنه قاب قوسين أو أدنى من الفراق الذي سيختمه بالطلاق بلا عودة.
قلت له لا تتعجل طالما هناك فرص فنحن في دنيا فيها السعادة والكدر والضحك والبكاء وفيها الزين والشين وفيها الغالب والمغلوب والظالم والمظلوم وهكذا من كل المتضادات ويبقى الصبر هو سمة الأقوياء وأهل النصر وعند الله تجتمع الخصوم.
أضاف متذمرًا بأنهما في حرب شبه تشن بشكل يومي وأنه مل من ذلك الروتين المضني الممل بكثرة الشكاوي والعناد الذي أصبح يتجرع مرارته ابناؤهم بلا ذنب اقترفوه وأن تلك الزوجة لا تعترف بأنها تجاوزت نصف قرن وأوشكت على الستين وأنها أصبحت جدة لحفيدين ومع ذلك تحفر الصعاب لتخلق مشكلة من لا شيء فهي على حد قوله بطبعها عدوانية ولسانها زفر دائم والطبع غلاب.
قلت لصاحبي المستجير اصبر وما صبرك إلا بالله ولعل الله يهدي القلوب ويأمر بالعفو والإصلاح.
رد بقوله أنه أصبح في سن يعاني فيه صحيًا ويريد العيش هو وابناؤه بقية العمر بسكينة وهدوء واضاف أنه قد أعطى لها فرصة أخيرة للاحتواء من الطرفين والله نسأل الخير والخيرة لهما ولكل الشاكين.
!بدأت المقال بذلك الرجل الذي طلق في ساعة غضب وأنهيت بموقف الأنثى التي لا تحسن العشرة والتبعل والاحتواء بل تقسو وتكيل بمكيالين حتى لا نميل كل الميل لرجل أو امرأة فلكل منهما نفس وشيطان قد يأمران بالسوء والنكران للعشير او تبقى علاقتهما كالمعلقة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك