عاش نبي الله «إبراهيم»، عليه السلام، بقلب وصفه الله تعالى بالسليم: «إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ»، فقد كان صاحب قلب مؤمن بالله، وبالبعث وبالحساب، والثواب والعقاب، وقد كان من الطبيعي للإنسان الذي يعيش بهذا القلب أن يتعجّب من وثنية قومه وغرقهم في عبادة أصنام صماء بكماء، وأن يسأل قومه هذا السؤال اللافت: «فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ».
ما أعظم هذا السؤال وأعمقه، فكل إنسان في هذه الحياة له تصوراته عن الخالق العظيم، وكل له طريق يسلكه إلى خالقه، وعدد الطرق التي تؤدى إلى الله بعدد البشر الذين عاشوا على الأرض.
وقد سأل «إبراهيم» قومه السؤال الذى يجب أن يسأله كل إنسان لنفسه، وكان غرضه أن يفهم ماذا يظن قومه بالله تعالى وما سيصنع بهم إذا لقوه وهم يعبدون غيره، هكذا يذهب المفسّرون لهذه الآية الكريمة، وظني أن المعنى يُمكن أن يمتد إلى ما هو أبعد، فقد كان قوم إبراهيم يعبدون تماثيل مصنوعة من الحجارة، وكان مدفوعاً فى السؤال بإحساسه بالعجب والاستغراب من قومه وتصوراتهم عن الخالق، فكيف يتصور عاقل أن العابد يصنع إلهه بيديه؟ كيف يتخيل أن هذا الصنم الذي نحته أو صنعه من الحجارة إله يتعبد له وتُقرب إليه القرابين؟
فالسؤال الإبراهيمي تعلق بتصور أصحاب هذه العقلية الحجرية للخالق العظيم، وكيف يظنونه سبحانه وتعالى.
كل إنسان وله ظنه بالله، ويقول الله تعالى في الحديث القدسى: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي» ويقول فى الحديث نفسه: «وَإِنْ تَقَرَّبَ مِنِّى شِبْراً، تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعاً، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَىَّ ذِرَاعاً، تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعاً، وَإِنْ أَتَانِى يَمْشِى أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً».
فالصلة بين العبد المؤمن وربه أساسها ظن العبد بربه وتصوره له سبحانه وتعالى، والخطوة التي يخطوها العبد إلى الله يقابلها خطوة أوسع من الله، والسير الحثيث من جانب العبد يقابله الهرولة من جانب الخالق، فالله تعالى رحيم ودود.
إن أكبر دليل على أن معنى الظن في الآية الكريمة ينصرف إلى تصور المؤمن لله تعالى تجده في الآيات التالية التي توقف فيها نبي الله إبراهيم أمام الأصنام التي يعبدها قومه، وأثبت لهم بالتجربة أن آلهتهم المزعومة أضعف من أن تحمي نفسها، وأن من الواجب عليهم أن يعيدوا النظر في تصورّهم لها (ظنهم بها).
قال تعالى: «فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ مَا لَكُمْ لَا تَنطِقُونَ فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ».
العاقل من يُحسن الظن بالله سبحانه وتعالى، ويفهم أن كل شىء بيده وحده، وكل حدث أو أمر فى هذه الحياة يسير بمقادير الله، وعلى الإنسان أن يأخذ بالأسباب، في كل صغيرة وكبيرة في حياته، ثم يتعشّم فى وجه الكريم ويدعوه بقلب مطمئن واثق من أن الله تعالى رؤوف بعباده.
كان نبى الله «إبراهيم» يعيش بهذا القلب المطمئن إلى الله، وذلك كان جوهر السلامة فيه، فسلامة القلب تعني اطمئنانه إلى الله وبالله، والقلب السليم هو الأساس الذي يرتكز عليه حُسن الظن بالله.
لذا فقد جاء السؤال الإبراهيمي عقب تلك الإشارة الجليلة التي تصف قلب النبي بالسليم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك