صدر حديثًا عن دار" أجورا" للنشر والتوزيع في طنجة كتاب" سنة أخرى من الاشتياق: الرحلة البغدادية" للكاتب والناقد العراقي فاروق يوسف، في عملٍ يتجاوز حدود أدب الرحلة التقليدي ليغدو نصًا تأمليًا عميقًا في الذاكرة والمنفى وعلاقة الإنسان بمدينته الأولى.
ينتمي هذا الإصدار إلى مشروع فكري وأدبي اشتغل عليه يوسف لعقود، حيث تتقاطع في كتاباته أسئلة المكان بالهوية، والحنين بالقطيعة، والمنفى بالانتماء.
" سنة أخرى من الاشتياق: الرحلة البغدادية"في هذا الكتاب، يعود الكاتب إلى بغداد بعد غيابٍ امتد نحو ثلاثة عقود، غير أن هذه العودة لا تُقدَّم بوصفها رحلة جغرافية فحسب، بل بوصفها تجربة داخلية تستعيد المدينة عبر طبقات الذاكرة، حيث يتداخل الواقعي بالمتخيل، ويتجاور الماضي مع الحاضر في بنية سردية مفتوحة على التأويل.
يمزج يوسف في هذا العمل بين الشعر والنقد الفني وأدب اليوميات، مستفيدًا من خلفيته في الفن التشكيلي التي درسها منذ شبابه، وهو ما ينعكس بوضوح على لغته التي تميل إلى التصوير البصري وإعادة تشكيل المشهد المديني كلوحة متعددة الأبعاد.
فبغداد هنا ليست مكانًا ثابتًا، بل كيان متحوّل، يُستعاد عبر الذاكرة ويُعاد بناؤه عبر الكتابة.
يقول فاروق يوسف إنه يكتب عن مدينة" ليست بغداد" بالمعنى المألوف، بل بغداد كما تسكن المخيلة الثقافية، حيث تحضر أسماء مثل جلال الحنفي ومصطفى جواد وبدر شاكر السياب، في استدعاءٍ لذاكرة ثقافية وجمالية تسهم في إعادة تشكيل صورة المدينة بوصفها نصًا مفتوحًا.
فاروق يوسف والمصالحة المؤجلة مع الذاكرةغير أن البعد الأكثر تأثيرًا في كتاب" سنة أخرى من الاشتياق: الرحلة البغدادية" يتجلى في الحكاية الشخصية التي يكشفها الكاتب فاروق يوسف عن لحظة مغادرته العراق قبل ثلاثين عامًا، حين أخفى عن والدته حقيقة الرحيل، واكتفى بوعدٍ عابر بالعودة بعد عام واحد.
هذا" العام" الذي امتد لثلاثة عقود يتحول في النص إلى استعارة مكثفة عن الزمن في المنفى، وعن الفجوة بين الزمن الشخصي والزمن العاطفي، خاصة حين يكتشف الكاتب أن" سنة الأمهات" ليست كسنوات الآخرين، بل زمنٌ معلّق على الانتظار.
في هذا السياق، يبدو الكتاب محاولة لمصالحة مؤجلة مع الذاكرة، واستعادة جانب الاشتياق الذي ظل الكاتب يتجنبه طويلًا خشية أن يتحول إلى عبء عاطفي يعطل فعل الكتابة.
إلا أن هذا الاشتياق، كما يتبدى في النص، يغدو قوة دافعة لإعادة اكتشاف الذات عبر استعادة المدينة، لا كحيز مكاني، بل كحالة وجدانية وجمالية.
يُذكر أن فاروق يوسف، المولود في بغداد عام 1955، يُعد من أبرز الأصوات العربية التي اشتغلت على العلاقة بين الفن والكتابة، وله إسهامات متعددة في النقد الفني وأدب الرحلة، من بينها كتاب" لا شيء.
لا أحد" الحائز على جائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة عام 2006، إضافة إلى أعمال شعرية ونقدية رسخت حضوره في المشهد الثقافي العربي.
في" سنة أخرى من الاشتياق"، لا يكتب فاروق يوسف عن بغداد فقط، بل يكتب عن معنى أن تحمل مدينة داخلك، وأن تعيشها بوصفها ذاكرة لا تنتهي، وسؤالًا مفتوحًا على الزمن والغياب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك