في خضم التحولات السياسية والأمنية التي تعيشها المنطقة، يبرز خطرٌ لا يقل تهديدًا عن الحروب التقليدية، بل يتجاوزها أثرًا وعمقًا، وهو الصدام الطائفي والتأجيج المذهبي والتناحر المجتمعي، فهذا النوع من الصراعات لا يدمّر البنية التحتية فحسب، بل يضرب في العمق تماسك المجتمعات، ويفكك النسيج الوطني الذي استغرق بناؤه عقودًا من الزمن، خصوصًا في دول الخليج العربي التي قامت على التنوع والتعايش.
لقد أثبتت التجارب أن أخطر ما يمكن أن تواجهه الدول ليس العدو الخارجي، بل الانقسام الداخلي الذي يُدار غالبًا بخطاب الكراهية والتحريض، ويجد في وسائل التواصل الاجتماعي بيئة خصبة للانتشار، ومن هنا، فإن التعامل مع هذا التحدي لا يجب أن يكون موسميًّا أو ردّ فعل مؤقتًا، بل ضمن استراتيجية وطنية مستدامة تقوم على الوقاية والمساءلة.
وفي هذا السياق، تكتسب قوانين الوحدة الوطنية وحماية النسيج الاجتماعي أهمية مضاعفة، لكنها لن تحقق أهدافها ما لم تُفعّل بشكل جاد، فالقانون حين يكون حاضرًا بقوة وعدالة يصبح صمام أمان يحمي المجتمع من الانزلاق نحو الفوضى والانقسام.
ورغم ما تبذله دول الخليج من جهود حكيمة ومتزنة في إدارة تحديات الأزمة وعدم الانجرار إلى منحدر المعركة، فإن المرحلة الحالية تتطلب توجيه الثقل الأكبر نحو تحصين الجبهة الداخلية، عبر تعزيز خطاب الاعتدال، وتجفيف منابع التحريض، ومساءلة كل من يسهم في إشعال الفتن، سواء عبر التصريحات أو المنشورات أو التعليقات الرقمية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك