لا تبدو حادثة استهداف جيش الاحتلال الإسرائيلي لكادر قناة" الإخبارية السورية" واقعة معزولة، بل تأتي ضمن سياق أوسع من الاعتداءات الإسرائيلية على سوريا، وتشير إلى نمط متصاعد من الاستهداف أو التضييق على العمل الإعلامي في محافظة القنيطرة والجولان المحتل، منذ سقوط نظام الرئيس المخلوع، بشار الأسد، في كانون الأول 2024.
خلال الأشهر الماضية، ارتكب جيش الاحتلال سلسلة من الانتهاكات والاعتداءات بحق صحفيين وإعلاميين في الجنوب السوري، توزعت بين إطلاق نار مباشر أثناء التغطية، واحتجاز واستجواب ميداني، واعتداءات جسدية، وتهديد بالسلاح، ومصادرة أو تحطيم معدات إعلامية، إضافة إلى إجبار بعض الصحفيين على حذف المواد التي وثقوها.
ولا تقتصر هذه الانتهاكات على لحظات الاحتكاك المباشر في الميدان، بل امتدت في بعض الحالات إلى ملاحقة الصحفيين خارج مواقع عملهم، وصولاً إلى مداهمة منازلهم وترهيبهم، كما حدث مع مراسل" تلفزيون سوريا" في القنيطرة، محمد فهد.
ولا يمكن فصل ما يتعرض له الإعلاميون في الجنوب السوري عن السياق الأوسع للسياسات التي تنتهجها إسرائيل داخل الأراضي السورية، حيث تواصل، بوصفها قوة احتلال، توسيع نطاق تدخلها العسكري وفرض وقائع ميدانية جديدة، عبر التوغل في مناطق حدودية وتعزيز حضورها داخل المنطقة العازلة ومحيطها.
وتترافق هذه التحركات مع سلسلة من الاعتداءات المتكررة التي تطال الأراضي السورية، بما في ذلك القصف والاستهداف المباشر، وما ينجم عنها من انتهاكات تطال المدنيين والبنية التحتية، في خرق واضح لقواعد القانون الدولي الإنساني.
إصابات بالرصاص أثناء التغطية واحتجاز ومصادرة معداتفي كانون الأول 2024، أُصيب المصور الصحفي أحمد النجار، الذي يعمل مع قناتي" العربية" و" الحدث"، برصاص خلال تغطيته احتجاجات محلية في ريف القنيطرة، بعد إطلاق النار على تجمع مدني كان يوثق تحركات القوات الإسرائيلية في المنطقة.
وتعد هذه الحادثة من أولى الوقائع التي سجلت إصابة مباشرة لصحفي أثناء عمله في المنطقة بعد التغيرات السياسية التي شهدتها سوريا.
وفي كانون الثاني 2025، شهدت بلدة الحميدية حادثة أخرى تمثلت في احتجاز صحفي أجنبي وفريق مرافق له أثناء التغطية، حيث تعرضوا لاعتداء جسدي، إلى جانب تحطيم ومصادرة معدات إعلامية، قبل الإفراج عنهم لاحقاً.
وبعد أيام من ذلك، في الموقع ذاته تقريباً، مُنع صحفيون آخرون من العمل تحت تهديد السلاح، وأُجبروا على حذف المواد التي قاموا بتصويرها، في خطوة تعكس محاولة مباشرة لطمس التوثيق الإعلامي للوقائع الميدانية.
الاستهداف يلاحق الصحفيين إلى منازلهمولم تقتصر الانتهاكات على مواقع التغطية، بل امتدت إلى الحياة الشخصية للصحفيين، في مؤشر على تصعيد يتجاوز حدود الميدان إلى الضغط والترهيب المباشر.
والجمعة الماضية، داهمت قوات إسرائيلية منزل مراسل" تلفزيون سوريا" في بلدة جباتا الخشب بمحافظة القنيطرة، محمد فهد، واحتجزته وأخضعته للتحقيق لساعات، في عملية جرت ليلاً وترافقت مع حالة من الترويع لأفراد أسرته.
وفي بيان رسمي، أدانت شبكة" تلفزيون سوريا" الحادثة، معتبرة أنها انتهاك مرفوض لحرية العمل الصحفي وتجاوز خطير يستهدف سلامة الصحفيين وحقهم في أداء واجبهم المهني دون ترهيب أو تهديد، مؤكدة أن مثل هذه الممارسات لن تثنيها عن مواصلة عملها الإعلامي.
وتحمل هذه الواقعة دلالات تتجاوز حادثة فردية، إذ تشير إلى انتقال الاستهداف من عرقلة التغطية في الميدان إلى ملاحقة الصحفيين في أماكن إقامتهم، بما يعكس مستوى أعلى من الضغط، ويطرح تساؤلات حول حدود الأمان الشخصي للإعلاميين العاملين في المنطقة.
ولا تبدو انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي بحق الصحفيين جنوبي سوريا حوادث عرضية، بل جزءاً من مشهد أوسع تسعى فيه إسرائيل إلى فرض السيطرة الأمنية والعسكرية على الأرض، وتقليص مساحة التغطية الإعلامية المستقلة، بما يحد من توثيق ما يجري ونقل تفاصيله.
وبينما يفترض أن يتمتع الصحفيون بحماية خاصة بصفتهم مدنيين يؤدون عملاً مهنياً، فإن استهدافهم أو التضييق عليهم يعكس توجهاً يتجاوز الاعتبارات الأمنية، ليطال حق الوصول إلى الحقيقة نفسها، في بيئة تتزايد فيها القيود على العمل الإعلامي كلما اتسع نطاق السيطرة العسكرية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك