تُظهر عناوين الإصدارات التونسية الحديثة توجّهاً لافتاً نحو التكثيف اللغوي والشحن الرمزي، حيث تغلب مفردات القتامة والعنف والقلق الوجودي على واجهات الكتب.
ويمثّل هذا الأسلوب في اختيار العناوين والأغلفة علاقة متغيرة بين النص والقارئ، تتقاطع فيها الجمالية مع رهانات التعبير، فأيّ مشهديّة ترسمها أغلفة الكتب عن تونس؟تخبرنا عناوين كثيرة من الإصدارات التونسية الحديثة عن ميل واضح نحو معجم قاتم: الليل، الظلمة، الوجع، الموت.
مفردات تتكرّر بإلحاح في عناوين روايات: " لمّا سكن الليل" لحنان جنان، و" مقبرة الفراشات" لسامي المقدّم، و" وجع لا بدّ منه" لعبد الله تايه، و" دم سيّئ" لفهمي البلطي، و" أهديت لك كردستان: احذر أن يصبح القتل فكرة" لهيبة إنوبلي.
هذه الاختيارات ليست اعتباطيّة، بقدر ما تعكس حساسية متزايدة تجاه الهشاشة الفرديّة والجماعيّة.
في حين تحملنا بعض العناوين إلى النّبش في المخفيّ مثل: " الجندي المجهول" لمحمد عيسى المؤدب، و" أشباح السقيفة" لماهر عبد الرحمن، و" سرّيات" لسارّة محمد البراهمي.
تتّجه الكتابة هنا نحو الشخصيات التي تقع خارج الضوء أو أُقصيت من السّرديات الكبرى، والتركيز على الهامش بوصفه فضاءً خصباً للمعنى، انسجاماً مع التحوّلات السريعة التي تشهدها المجتمعات المعاصرة.
كذلك تكتمل الحكايا بإعادة استقراء التّاريخ، كما في" نهج إنجلترا" لمية الكسوري، و" الكرّوسة" لحسنين بن عمو، و" العظماء يموتون في أفريل" لأميرة غنيم.
تُعيد هذه العناوين الاعتبار للمكان بوصفه عنصراً مركزيّاً في السرد.
وكأنّها دعوة لإعادة التفكير في العلاقة الممكنة بين الفرد وفضائه.
يؤثر الوضع السياسي في صورة الأغلفة ورسائلها الخفيةولا تخلو عناوين أُخرى من تعبيرات قد تكون صادمة أحياناً، حين تحمل صوراً كثيرة رمزيّة عن العنف بمختلف أشكاله وتحيلنا إلى القمع والكبت، حيث تختلط المفاهيم وتتداخل، تحسّساً لذات تتعطّش لتحرّرها، والأمثلة كثيرة من بينها: " أحببت جلادي" للمياء الفالح، و" تعال أيها السأم" لوليد أحمد الفرشيشي، و" كفّارة الحبس للنساء" لحبيبة محرزي.
تقوم هذه العناوين على مفارقات لغوية حادّة، تجعلها حدثاً في ذاته.
فلا تقدّم إجابات بقدر ما تحرّض القارئ على المزيد من التساؤل حول هذا الواقع الصادم.
وتتناغم هذه الاختيارات اللغويّة مع أغلفة يغلب عليها الطابع الداكن، حيث تتكرّر الألوان القاتمة والظلال، وتبرز الصور المفردة والمعزولة: وجه، ظلّ، جسد، أو فضاء مغلق.
بين الإغراء البصري والتكثيف الرمزي نستقرئ غلاف رواية" الإعصار" لمحمد الشامي، وغلاف مجموعة" حالة ميئوس منها" القصصية لعباس سليمان.
ففي الغلاف الأول، نواجه مشهداً دراميّاً صاخباً، تتقاطع فيه عناصر الطبيعة العنيفة، مع حضور أنثوي يقف في قلب الفوضى، بما يوحي بسرد مشحون بالصراع والانفجار.
أمّا الغلاف الثاني، فيحتلّه الفراغ بجدار متآكل وكرسي، في استدعاء لدلالات العزلة والانكسار.
بعد سقوط نظام الرئيس الراحل زين العابدين بن علي، عام 2011، وتوالي الحكومات في إطار مسارات بناء الدّولة الجديدة، ظهرت محاولات عدّة كتابية تتراوح بين توثيق المرحلة السابقة والبحث في أسرارها، وبين محاولات إنتاج تصوّرات تنموية وتقديم مقترح سياسات عمومية.
وقد تزايدت هذه النوعية من العناوين، منها: " الثروة والأثرياء والسلطة في تونس" لمنصف سلطاني، و" الأمّة الممكنة" لمحسن مرزوق، و" ظاهرة الفساد في تونس" لإيهاب الشاوش.
تنتمي هذه النوعية من الأغلفة إلى نمط يقوم على المباشرة.
فالعمود الكلاسيكي الذي يرمز إلى الدولة يظهر ملوّثاً بسائل أسود، في إشارة إلى فساد ينخر البنية من الداخل، فيما تتناثر شظايا منه على الأرض، بما يحيل إلى التفكّك والانهيار.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك