بمنصات خفية وعبر سنوات من التخطيط، عملت إيران على ترسيخ حضورها في الفضاء الرقمي عبر إنشاء وإدارة حسابات ومنصات على مواقع التواصل الاجتماعي لا تعتمد على الخطاب السياسي المباشر منذ البداية، بل تقوم على استراتيجية مدروسة تبدأ بجذب المتابعين بمحتوى خفيف من المواد الاجتماعية والترفيهية، ما يتيح لها تحقيق انتشار واسع وبناء قاعدة جماهيرية كبيرة.
ومع مرور الوقت، يتم توظيف هذا الجمهور تدريجياً في نشر محتوى سياسي يتسق مع الخطاب الإيراني.
ومع تصاعد التوترات الإقليمية، برز نشاط هذه المنصات بشكل أكثر وضوحاً، حيث ارتفعت وتيرة النشر، واتجه المحتوى بشكل مباشر نحو القضايا السياسية والميدانية، في محاولة للتأثير على الرأي العام عبر محتوى غير دقيق، يعتمد على أدوات متعددة لتعزيز التأثير، من بينها تغيير الهوية بشكل متكرر، واستغلال الأحداث الجارية، وإعادة تدوير الجمهور والمحتوى، بما يمنحها قدرة على الانتشار والتكيف، رغم غياب الشفافية حول إدارتها أو مصادرها.
وتعد صفحة" إيران بالعربية" على فيسبوك نموذجاً واضحاً للمنصات التي تعتمد على تغيير الهوية كأداة رئيسية لبناء الجمهور، حيث تأسست في يونيو(حزيران) 2016 كمحتوى غير سياسي، قبل أن تخضع لسلسلة تغييرات جذرية في الاسم والمضمون.
وشهدت الصفحة أكثر من 13 تغييراً في اسمها منذ إنشائها، حيث تنقلت بين تسميات متباينة تعكس مجالات مختلفة، من بينها" المصحف"، و" البت الكراش"، و" محمد حسني مبارك"، و" غزة 24"، وصولاً إلى اسمها الحالي" إيران بالعربية"، ما يشير إلى غياب خط تحريري ثابت واعتماد نهج مرن يتكيف مع اتجاهات الجمهور.
وخلال هذه التحولات، ركزت الصفحة على نشر محتوى متنوع شمل الترفيه والدين والشخصيات العامة والقضايا الإنسانية، ما مكنها من استقطاب قاعدة جماهيرية واسعة بلغت نحو 1.
5 مليون متابع، تم جمعهم في الأساس عبر محتوى غير سياسي.
ومع انتقال الصفحة إلى هويتها الحالية، تم توظيف هذا الجمهور تدريجياً في متابعة محتوى سياسي متسق مع الخطاب الإيراني، في نموذج يعكس آلية" بناء الجمهور أولاً… ثم إعادة توجيهه.
وتكشف بيانات الصفحة أن إدارتها تتم من مصر بواسطة حسابين، ما يبرز تناقضاً واضحاً بين الاسم الذي يوحي بهوية إيرانية، وموقع الإدارة الفعلي، وهو ما يطرح تساؤلات حول طبيعة الجهة التي تقف خلف هذا النشاط الرقمي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك