زمان لمّا كان طفل يغمس يده بعيداً في طبق يأكل منه، كان الأب والأم يزجرانه قائلين: «كُل من قدامك»، وإذا أكل بيده اليسرى قالا له: «كل بإيدك اليمين».
ولا يخفى عليك أن لهذه التوجيهات أصلاً في آداب الطعام التي استنّها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في قوله: «يا غلام سم الله، وكُل بيمينك، وكُل مما يليك».
مبدأ «لا تغمس يدك بعيداً في الطبق» يصح أن نسحبه على الكثير من أمور الحياة، فالإنسان مطالب بأن يقنع بما أتيح أمامه، ولا يمد يده إلى ما ابتعد عنه، فما تطاله يداك هو «قسمتك ونصيبك»، والبعيد عنك لن ينالك منه إلا «الزروطة».
المشكلة أن بعض الناس يفكرون دائماً في غمس أيديهم بعيداً في أطباق الحياة، وذلك حين يطمعون فيما هم غير ميسرين له، فقاعدة: «كلٌّ ميسر لما خلق له واحدة» من القواعد الذهبية التى تؤدى إلى ضبط إيقاع الأداء داخل أي منظومة، لأنها تضع كل شخص فى مكانه الأنسب لقدراته ومهاراته.
الطمع فيما هو بعيد عن اليد يعنى ببساطة الوقوع في حالة «زروطة» للواقع ككل.
تنظيف أي منظومة من حالة «الزروطة» يتطلب ببساطة أن يأكل كل إنسان مما يليه، أي في المربع الذي يقع فيه، ولا يمدنّ عينيه إلى ما هو أمام غيره أو في مربع غيره، فالمناسب لك هو ما وقع أمامك، فالطمع في مثل هذه الأحوال يؤدى إلى إرباك الواقع وتطاحن الأيدى، أو انسحاب صاحب المكان بعد أن اغتصب آخر نصيبه وأكل حصته من الطبق الذي يتوجب أن يتقاسمه الجميع بعدل وموضوعية.
المنظومات الناجحة تدقق باستمرار في مواصفات الأشخاص الذين يجلسون على طاولتها، فتجد كل شخص فيهم في موضعه الصحيح الذي يستحقه ولا يصلح له إلا هو، دون محاباة أو مجاملة أو أي سبب آخر من الأسباب التي تؤدي إلى «الزروطة»، وفي حالة إخلاله بأي من مواصفات الموقع يتم اختيار من هو أنسب منه، وهكذا تدور عجلة الأداء بنجاح، لأن كل طرف فى المعادلة يعرف موقعه جيداً ويتفهم متطلبات هذا الموقع وأهدافه وما يتوجب عليه فعله فيه، وهو في كل الأحوال يفهم جيداً أن عليه أن يلتزم بمقتضيات دوره ولا يمد يده في أدوار غيره.
ما أكثر ما يرفع الناس شعار: «الرجل المناسب فى المكان المناسب» وما أقل ما يأخذون به في الواقع، لأن المطامع الفردية تحكم الإنسان، وكل فرد منحاز إلى ذاته، وبالتالى لا لوم عليه إذا طمع، المشكلة هنا فيمن ينظر إليه، ويلاحظ أنه لا يريد أن يأكل مما يليه، بل يريد أن يمد يده إلى نصيب غيره، دون أن يحذره قائلاً: «كل من قدامك» أو لا تغمس يدك فيما هو أمام غيرك.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك