في ظل الضغوط الاقتصادية المتزايدة وارتفاع تكاليف الطاقة عالمياً، اتخذت الحكومة مؤخراً حزمة من الإجراءات الهادفة إلى ترشيد استهلاك الكهرباء، كان أبرزها تحديد مواعيد غلق المحال التجارية في الساعة التاسعة مساءً.
ويأتى هذا القرار ضمن خطة أوسع لتقليل الأحمال على الشبكة الكهربائية، خاصة في أوقات الذروة، في محاولة للحفاظ على استقرار الخدمة وتخفيف الأعباء المالية على الدولة.
ولكن ماذا لو استمرت الحرب لعام كما يتوقع خبراء ومحللون سياسيون وعسكريون؟ بالقطع سوف تكون بلاء على العالم بأكمله.
وكما توقع الرئيس عبدالفتاح السيسي، فقد يصل سعر برميل البترول إلى ما يزيد على الـ200 دولار.
وهذا الأمر جعلني أتوقف وأحاول أن أفهم الوضع الحالي، وهل هذا الإجراء الذي قامت به الدولة هو الصواب، وسوف يأتي بنتيجة إيجابية أم لا؟دعونا ننظر إلى الأرقام التى سجلتها التجربة في الأيام القليلة الماضية ونفكر في الفوائد أو الأضرار من هذا القرار.
وقد أظهرت المؤشرات الأولية في أول أيام التطبيق تراجعاً ملحوظاً في الأحمال، حيث سجل الحمل الكهربائى نحو 30.
1 ألف ميجاوات في الساعة السابعة مساءً (ذروة الاستهلاك)، قبل أن ينخفض إلى 29 ألف ميجاوات في التاسعة مساءً، ثم إلى 27 ألف ميجاوات في العاشرة، وصولاً إلى 26 ألف ميجاوات في الحادية عشرة مساءً، وهو ما يعكس انخفاضاً تدريجياً بعد بدء تنفيذ قرار الغلق.
لكن، وعلى الرغم من وجاهة الهدف، تبرز عدة تساؤلات حول مدى فاعلية هذه الإجراءات على أرض الواقع.
أول هذه التساؤلات يتعلق بالتأثير الاقتصادي على أصحاب المحال والعاملين بها، حيث يؤدي تقليص ساعات العمل بالقطع إلى انخفاض الإيرادات، خاصة في الأنشطة التي تعتمد بشكل أساسي على فترة المساء، مثل المطاعم والمقاهي.
وتزداد أهمية هذا التساؤل إذا ما علمنا أن عدد المحال التجارية في مصر يُقدَّر بنحو 1.
7 مليون محل، يعمل بها حوالى 4.
1 مليون عامل، بينما يتأثر بالقرار بشكل مباشر وغير مباشر ما يزيد على 7.
5 مليون مواطن، وهو ما يعكس حجم التأثير الاجتماعي والاقتصادي المحتمل.
أما من الناحية الاجتماعية، فقد أثار القرار مخاوف عدد من المواطنين، خاصة فيما يتعلق بالأمن في الشوارع.
فمع إغلاق المحال مبكراً، تصبح بعض المناطق أكثر ظلاماً وأقل حيوية، وهو ما قد يخلق بيئة غير آمنة، خصوصاً للفتيات والسيدات.
وقد عبّر البعض عن قلقهم من زيادة احتمالات التعرض للمضايقات أو الاعتداءات في ظل غياب الإضاءة الكافية وقلة الوجود البشري.
هذه المخاوف تفرض ضرورة مرافقة قرارات الترشيد بإجراءات داعمة، مثل تعزيز الإنارة العامة -التي لا تمثل سوى 2.
7% من إجمالى استهلاك الكهرباء- إلى جانب تكثيف الوجود الأمني في الشوارع.
ومن الزوايا المهمة أيضاً، مسألة ما إذا كان تقليل استهلاك الطاقة في المحال سيؤدي فعلاً إلى خفض إجمالي الاستهلاك، أم أن الأمر قد ينعكس بشكل عكسي.
فوفقاً لبيانات توزيع استهلاك الكهرباء، يمثل الاستهلاك المنزلي النسبة الأكبر بنحو 37.
2%، يليه القطاع الصناعي بنسبة 27%، ثم الجهات الحكومية بنسبة 10.
4%، فى حين لا تتجاوز حصة المحال التجارية 5.
4% فقط.
هذه الأرقام تكشف مفارقة مهمة، إذ إن القطاع المستهدف بالقرار ليس الأكبر استهلاكاً للطاقة، بينما يظل القطاع المنزلي الذي قد يشهد زيادة في الاستهلاك مع بقاء المواطنين في منازلهم لفترات أطول هو العامل الحاسم في معادلة الترشيد.
ورغم هذه التحديات، لا يمكن إنكار أن التجربة قد تحقق قدراً من النجاح على المدى القصير، كما تشير أرقام انخفاض الأحمال في ساعات المساء.
إلا أن هذه النتائج تظل محدودة التأثير إذا لم تُدعم بسياسات أكثر شمولاً، تشمل تشجيع استخدام الأجهزة الموفرة، والتوسع في مشروعات الطاقة المتجددة.
إن قرار غلق المحال قد يسهم في تحقيق انخفاض سريع ومباشر في استهلاك الكهرباء خلال ساعات الذروة، لكنه لا يمثل حلاً جذرياً لأزمة الطاقة.
فجوهر المشكلة يرتبط بهيكل الاستهلاك الذي يميل بشكل أساسي إلى القطاعين المنزلي والصناعي، إلى جانب وجود عجز في إنتاج الغاز.
ومن ثم، فإن نجاح هذه السياسات سيظل مرهوناً بقدرتها على تحقيق توازن دقيق بين ترشيد الاستهلاك، وحماية النشاط الاقتصادي، وضمان شعور المواطنين بالأمان والاستقرار.
في النهاية، ونحن على أعتاب فصل الصيف، تزداد أهمية النظر إلى ملف ترشيد الكهرباء برؤية أشمل، خاصة مع الارتفاع المتوقع في معدلات الاستهلاك نتيجة الاستخدام المكثف للمراوح وأجهزة التكييف، ومن ثم، فإن قرار غلق المحال قد يسهم في تخفيف الأحمال خلال ساعات الذروة، لكنه يظل بحاجة إلى أن يندرج ضمن خطة أوسع، وأشمل توازن بين كفاءة إدارة الطاقة، واستمرار النشاط الاقتصادي، وضمان راحة المواطنين وأمنهم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك