في الطريق من القدس إلى رام الله، وبعد يومٍ من التجوال في القدس ومحاولات لتعريفه بأهمّ المواقع في البلدة القديمة، حان دوره ليسرد جزءا من سيرته وقصّته مع مكانه، ليأخذني إلى قريته البعيدة وحقولها وقصص والده وطفولته، ثمّ انتقاله إلى المدينة، وشعوره بالاختلاف كابن قرية في المدينة، ثمّ سفره إلى مصر لدراسة الطب، وغربته عن وطنه التي امتدت حتّى اليوم.
كانت المرّة الأولى التي يُتاح لي أن ألتقي وأتحاور أنا وكاتب يمني، وأسمع عن واقع مُعاش من فترة زمنيّة قريبة في هذا البلد، الذي لم أعرفه إلّا عبر كتب التاريخ.
كلّما تحدّث مروان الغفوري عن اليمن وطفولته وفتوته هناك، في محادثاتنا اللاحقة، فكأنّه يشرّع نافذة لمخيالي تصحبني إلى أمكنته، لتصير قريبة ومألوفة.
وسط انتظاره إصدار روايته «خمس منازل لله وغرفة لجدتي» وعدني أنّ الكتاب سيحملني إلى منطقته بصورة أقرب، ولطالما أثار العنوان فضولي وشعرته جريئا بصورة قد تخرق تابو الدين، لكنني لم أعلّق عليه إلّا حين أبلغني عبر مكالمة هاتفية قبل مدّة، منع مشاركة الكتاب في بعض معارض الكتب العربية، بعد أن استوقف العنوان الرقابة.
سألته حينها: لماذا وضعت هذا العنوان الذي قد يستفز المتدينين؟ فأبلغني أنّ العنوان خطر له، وجذب دار النشر دار «الساقي» اللبنانية.
بعد قراءة الرواية شعرتُ بأنّه أنسب وأجمل عنوان لها، وهي التي تطرح خمس توجهات في عبادة الله، من جماعة التبليغ والإخوان والصوفية والسفلية، وأيضا جماعة رياضة الكونغ فو، وما تحمل من مبادئ وأخلاقيات.
تطرح الرواية تنافس الجماعات الإسلامية، لجذب شاب قروي انتقل إلى مدينة تعز للدراسة في المرحلة الثانوية، وهو الذي وعد والده ألّا يقرب هذه الجماعات.
سكن مع المؤذن يونس في غرفة لمسجد تابع للسلفيين، وترك أمر سكنه سرا عن عائلته وزملائه.
أصغى لنصيحة أمّه بألّا يقول لابن المدينة لا، فكان منفتحا على جميع الخيارات والطرائق الدينية التي دعته للمشاركة في اجتماعاتها، ليصغي ويشارك وينسج العلاقات مع شيوخها.
ينقل الكاتب شعور الغربة والاختلاف الذي يشعره ابن القرية الشاب الصغير في المدينة، ليكون مكشوفا، ويتمّ التنافس عليه ضمن هذه التوجهات الدينية، التي تشكّل 20% من سكان المدينة، فيما لا تهتم التوجهات والأحزاب غير الدينية، التي تشكّل الغالبية، بجذب أبناء القرى، ليتعزز التوجه الديني مع الموروث الثقافي القروي.
إلّا أنّ النزوات الشبابية تخرج من عقالها عند البطل الذي عمره نحو 15-16 عاما، في فسحات وتقلبات بين التقرب من الدين والإعراض، ووقوع في حبّ مجهول ونزوات، وتأنيب ضمير اتجاه الخطايا التي يرتكبها، الأمر الذي يضيف واقعية للشخصية ويجعلها أقرب للقارئ.
مقابل هذه المجموعات والإمكانيات المعرفية للتقرّب لله، تأتي غرفة الجدّة في القرية بما تحمل من قصص، وموروث عائلي، وموروث شعبي عن الجن، مضيفا بعدا آخر على الرواية.
ليشكّل مرض الجدّة التي تطلق الكلام «شذر مذر»، أزمة يسعى البطل لحلّها مستعينا بكل التوجهات الدينيّة التي انفتح عليها، ورغم اتفاقهم على المساعدة وبدء المحاولات إلّا أنّ حالة الجدة تبقى مستعصية، حتّى تنتقل إلى رحمته تعالى، مع إشارة إلى الاحتمال العلمي من وجود مرض، وليس فقط وجود الجن.
تظهر في الرواية ثقافة الغفوري الواسعة في الدين والتوجهات المختلفة بين الجماعات، ومع الجديّة التي يقدّمها الطرح، يحاول أن يمنح نكهة فكاهية لبعض الشخصيات لتخفيف العبء، إلّا أنّ المعلومات والنص الديني ومع ما يُقدّمه من معرفة وتثقيف، تثقل النص في بعض المواقع من الرواية.
عن استحقاق وصلت هذه الرواية القائمة الطويلة لجائزة الرواية العربية البوكر لعام 2026، وكانت تستحق أن تتقدّم أكثر للمراحل الأخرى من الجائزة.
تأخذ هذه الرواية قارئها في رحلة فريدة من فترة التسعينيات إلى مدينة تعز وريفها، ومع هذه الزيارة عبر الرواية للمنطقة، أتطلّع أنّ يصحبنا الكاتب الطبيب واسع الثقافة مروان الغفوري في رواية أخرى، يخرج المزيد من جعبته حول هذه المنطقة، وحول قريته بالذات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك