في كتابه التوثيقي «مسيرة سنين بين الماضي والحاضر»، يضع محيي الدين عبدالله بهلول بين يدي القارئ مادةً تتجاور فيها السيرة مع التوثيق، إذ تتعانق الذاكرة الفردية بالذاكرة المؤسسية، فيما تتقدم الصورة، والوثيقة، والكتيب، والإعلان، والرسالة القديمة لتؤدّي وظيفةً استرجاعية، يستعيد عبرها المناخات التي عاصرها في أطوارها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المختلفة، حيث لا يتحرك الكتاب في أفق السيرة الشخصية وحدها، بقدر ما يشتغل على استنطاق ما تراكم من أرشيفات المؤسسات التي شغل فيها مناصب عدة، وفي مقدمتها «غرفة البحرين» و«النادي الأهلي».
ينتمي بهلول، كما توحي سيرته، إلى جيلٍ بحريني تداخلت في تجربته الوظيفة مع الحس الثقافي، والعمل اليومي مع الوعي بقيمة الأرشفة، فقد التحق بـ«غرفة تجارة وصناعة البحرين» مبكرًا، بعد تخرجه من القسم التجاري عام 1961، ومضى في العمل فيها أكثر من أربعة عقود، فصار شاهدًا على تحولات الاقتصاد، وعلى تبدل الوجوه الإدارية، وعلى تبدل مفاهيم العمل المؤسسي ذاته.
غير أن ما يمنح هذه التجربة خصوصيتها أن صاحبها مر فيها بوصفه عينًا تحفظ، وذاكرةً تجمع، ويدًا تدرك أن ما يبدو عابرًا، قد يغدو، بعد عقود، وثيقةً ذات قيمة تاريخية؛ وهو ما يتجلى في هذا الكتاب الذي يقدمه كمادة توثيقية مشبعة بالصورة، إذ جاء العمل مقتضبًا في نصوصه، مكتفيًا بإشارات شارحة، دون توسع، تاركًا للصورة أن تنهض بدورها في حمل المعنى واستدعاء ذلك الزمن.
تشابك الذات والذاكرة الوطنيةيبدأ الكتاب، المطبوع في «مؤسسة الأيام»، بكلمةٍ موجزة كتبها بهلول، حيث تتشكل ذاته في مجاورةٍ للسياق الذي هو البحرين بكل امتدادها؛ هذه الذات الكلية التي تغدو حاضنة لذاته الشخصية، وهي تنخرط لاحقًا في حياة العمل، وتتعلم من المؤسسة بقدر ما تسهم في تثبيت ذاكرتها.
وهو ما يشي به الكتاب، إذ يريد بهلول لعمله أن يكون «سجلًا خاصًا» به، غير أنه سجل ينفتح على معنى أوسع، كمادة تستمر لهدفٍ يصبون إليه في «تعريف مواطن هذا البلد المعطاء، بالقيادة الحكيمة، حضارةً وتاريخًا.
فالبحرين اليوم محط أنظار العالم كله».
يفتتح الكتاب، عيسى الشايجي، رئيس هيئة التحرير بمؤسسة الأيام للنشر، مقدمًا مدخلًا كاشفًا لطبيعة محيي الدين بهلول، «شخصية عاصرت الكثير من الأحداث الكبرى والمنحنيات التاريخية» فهو شخصية لا تكتفي بمجاورة الأحداث، وإنما «يأبى إلا أن يترك بصماته على ما مر به، لا يقبل إلا أن يكون له صوت، ورأي، فيما عاصره وشاهده وعايشه».
وتمضي الافتتاحية في تكثيف هذا المعنى، حين تبرز جوهر مشروعه التوثيقي بوصفه جهدًا ممتدًا «عمل بشغف منذ بداياته الأولى، رغم شح الإمكانيات، على أن يترك للأجيال القادمة ما تنهل منه وتتزود به.
إرث كبير عمل هذا الشخص على تدوينه بالصوت والصورة والقلم».
هذا الوعي يتردد كذلك في الشهادات التي قُدمت عنه، حيث يرى سمير عبدالله ناس، رئيس «الغرفة» أن الكتاب «ليس مجرد سرد للذكريات، بل هو شهادة حية على تجربتكم الغنية»، وفي هذا المعنى أيضًا، ترد شهادة راشد نبيل الحمر، رئيس تحرير «الأيام» حين يصف بهلول بأنه «شاهد على حقبة كاملة من التحولات الوطنية والمؤسسية».
تتقدم الوثيقة في هذا الكتاب بوصفها جوهر بنائه، كما أسلفنا، إذ تتكامل الرسائل القديمة، والمنشورات الحكومية، وأغلفة الكتيبات، والإعلانات التجارية، والصور النادرة.
إلخ، لتكون النسيج الأساس للعمل، وبذلك تتبدى قيمة عين المؤلف الأرشيفية، حيث احتفظ بهذه المواد كشواهد على تشكل الحياة في حقبها المختلفة في البحرين التي عاصرها، لتصير مجتمعةً سردًا بصريًا.
فالرسالة المتعلقة بمقترح إنشاء مجلة «الغرفة»، والمؤرخة بمنتصف القرن الماضي، تضيء على لحظة مبكرة من التفكير المؤسسي، إذ جاء فيها: «إشارة إلى كتابكم بشأن مجلة الغرفة التجارية.
وافق مجلس الإدارة من حيث المبدأ، غير أنه يود أن يعرف أولًا من هم الشبان الذين سيشرفون على إصدار الصحيفة».
وعلى النحو، تتجاوز الإعلانات التجارية القديمة، من سيارات وأجهزة منزلية، وظيفتها التذكارية، لتكشف تحولات الذائقة وأنماط العيش واللغة الاقتصادية التي كانت سائدة في زمنها.
ولعل هذا يكشف عن الاستفاضة التي فاض بها الكتاب بالصورة، حيث يغلب عليه الطابع البصري، إذ تتقدم كعنصرٍ أساسي يحمل قدرًا وافرًا من المعنى، ولهذا يكتسب عنوان أحد فصوله، «صور تاريخية تتحدث عن نفسها»، دلالة كاشفة، حيث يتضح أن المؤلف يعول على الصورة بوصفها خطابًا مستقلًا، وعلى قدرتها في حمل ذاكرة الأشخاص والوقائع والأمكنة.
«الغرفة».
ذاكرة لداخل بيت التجارمن أبرز ما ينجزه الكتاب أنه يتيح قراءة «غرفة البحرين» من الداخل؛ من جهة من عاش في أروقتها، وواكب رؤساءها، واطلع على وثائقها، ولامس تحولات دورها في المجتمع البحريني، وهذا لا يقتصر على استحضار أسماء الرؤساء أو أعضاء المجالس، وإنما يعيد تركيب صورة الغرفة ككيانٍ أسهم في صياغة جانبٍ معتبر من التاريخ الاقتصاديالبحريني.
وتبدو شهادة يوسف صلاح الدين ذات أهمية، في هذا السياق، إذ يشير إلى أن الكتاب تضمن «مجموعة من الصور النادرة لكبار المسؤولين في الدولة وغرفة تجارة وصناعة البحرين، إضافة إلى مستندات وصور عن الغرفة التي عمل بها خلال فترة عمله، التي امتدت إلى حوالي 41 عامًا».
كما يضيء راشد الحمر جانبًا آخر من هذا الحضور، حين يتحدث عن دور بهلول في العلاقات العامة الحديثة، ويرى أن حضوره «كان جزءًا من الصورة العامة التي أرادت البحرين أن ترسمها عن نفسها: دولة منفتحة، ذات طابع اقتصادي حر، ومجتمع مضياف قائم على التفاهم والثقة».
فيضُ الذاكرة وتعدد الحقولمع أن الغرفة تشكل العمود الفقري للكتاب، فإن مادته لا تنغلق في الإطار الاقتصادي، ذلك أن بهلول، كما تكشف الشهادات، ويكشف ذلك الكتاب، صاحب اهتمامات متشعبة، تمتد إلى الفن، والأدب، والرياضة، والإعلام، والسياسة، والشأن الاجتماعي.
وهذا الاتساع ينعكس بوضوح في فصول الكتاب، إذ نرى منشورات عن الشأن الثقافي، وصورًا مرتبطة بالمسرح والسينما، ومواد عن الأندية والرياضة، وقصائد كتبها المؤلف نفسه، إلى جانب مقالاته المنشورة في الصحف المحلية.
في شهادة علي أحمدي ما يضيء هذا المعنى، إذ يصفه بأنه صاحب «ذاكرة تمتد لعقود، وتختزل محطات تاريخية وهامة بين شخصية وعامة تجارية، ثقافية فنية وسياسية»، كما يشير إلى أن لديه «أرشيفًا ثقافيًا فنيًا يتناول الفن في الوطن العربي وحياة الفنانين».
كما تتأكد هذه الصورة بشهادة فؤاد إبراهيم كانو، الذي يربط بهلول بالرياضة والنادي الأهلي، ثم يشير إلى أنه «ملم بالكثير من حياة الفنانين، ولا سيما المصريين»، بما يجعل شخصيته أقرب إلى خزان متنوع للمعارف والقصص والوقائع.
وبالعودة إلى غلبة الطابع الصوري على الكتاب، فإنها تنسجم مع طبيعته بوصفه كتابًا أرشيفيًا استعاديًا.
فبهلول لا يسعى لبناء تأويلات مطولة، ولا لفرض قراءة نهائية على مواده، وإنما يتيح للقارئ أن يتجول بين الوثيقة، والصورة، والقصاصة، وأن يلتقط منها ما يوسع فهمه لطبقات الماضي.
وبالعودة إلى الشهادات التي كُتبت عنه، يمكن قراءتها بوصفها مفاتيح تأويلية؛ فحين يقول سمير ناس إن هذا العمل «جزء من مشروع وطني لتوثيق ذاكرة العمل المؤسسي في البحرين»، فإنه يحدد أفقًا أوسع للقراءة، وحين يصف حسن سلمان كمال المؤلف بأنه «يوثق ذاكرة وطن ليطلع عليها من لم يعايش تلك الفترات التأسيسية»، فإنه يمنح الكتاب بعده الأعمق.
هكذا يقدم الكتاب، بما يتضمنه من شهادات كتبها أشخاص عاصروا بهلول وعرفوه، مادةً غنية تتكثف فيها الصورة إلى جانب الوثيقة، إذ يفيض بصور رؤساء شاركوا في دورات الغرفة، ووثائق متعددة، وصور المبنى القديم، وأخبار الغرفة في مراحلها المبكرة، إلى جانب صور نادرة توثق حضورها وتحولاتها.
كما يضم صور لأغلفة كتيبات وإصدارات صادرة عن مؤسسات وشركات في البحرين قديمًا، تمتد موضوعاتها إلى كتيبات ثقافية وأدبية وتربوية وديمغرافية وغيرها، فضلًا عن شهادات ورسائل وصور تاريخية ومقالات ذات طابع سياسي.
ويمضي الكتاب لتخصيص فصلٍ للقصائد التي كتبها بهلول، تتصدّره قصيدة «نداء فلسطيني»، إلى جانب نصوص أخرى تتناول البعد التاريخي والاجتماعي، مثل «مقاهي زمان» و«مجالسنا في رمضان»، فضلًا عن قصائد تعالج قضايا عربية، وأخرى في الحب، والوطن، والإنسان.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك