روسيا اليوم - البنك المركزي الكوبي يعلن تعليق التعامل ببطاقات الدفع العالمية إيلاف - "النفاذ إلى البحر الأحمر": فصل جديد في صراع مصر وإثيوبيا روسيا اليوم - روسيا.. ابتكار غرسات "حية" باستخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد روسيا اليوم - علاج طبيعي يحسن صحة الفم واللثة Independent عربية - إسرائيل ولبنان يتفقان على وقف مشروط لإطلاق النار روسيا اليوم - علامات تستدعي التدخل الطبي الفوري في حالات آلام البطن قناة القاهرة الإخبارية - موجز أخبار السادسة صباحا من القاهرة الإخبارية قناة الغد - الدولار عند أعلى مستوى في شهرين والين قرب منطقة احتمال التدخل قناه الحدث - فيديو اللحظات الأولى للاعتداء الإيراني على مطار الكويت قناة الشرق للأخبار - بيان أميركي لبناني إسرائيلي مشترك: يعتمد وقف إطلاق النار على الوقف الكامل لنيران حزب الله
عامة

عن وهم الخلاص الفردي بقلم رامي مهداوي

شبكة فلسطين
شبكة فلسطين منذ شهرين
2

في لحظةٍ تختلط فيها رائحة الوقود بالخوف، ويعلو هدير السيارات المتزاحمة أمام محطات الوقود، لا يبدو المشهد اقتصادياً بقدر ما هو وجودي. الطوابير ليست مجرد استجابة لنقصٍ في مادة، بل تعبير عن قلقٍ عميق يتس...

ملخص مرصد
يحلل الكاتب ظاهرة "وهم الخلاص الفردي" في ظل أزمات الوقود، حيث يتحول الخوف إلى سلوك جماعي يدفع الأفراد إلى التصرف بأنانية. ويرى أن هذا السلوك نتاج منظومة أوسع تشمل سياسات قاسية وتهديدات وجودية، مما يعزز الشعور بالهشاشة. ويؤكد أن الخلاص الفردي ليس حلاً، بل تأجيل للأزمة، مشيراً إلى ضرورة إعادة التوازن بين الفردي والجماعي لإعادة بناء الثقة.
  • وهم الخلاص الفردي يدفع الأفراد إلى التصرف بأنانية في ظل أزمات الوقود
  • السلوك الفرداني ناتج عن سياسات قاسية وتهديدات وجودية تعزز الشعور بالهشاشة
  • الخلاص الفردي ليس حلاً، بل تأجيل للأزمة، ويستلزم إعادة التوازن بين الفردي والجماعي

في لحظةٍ تختلط فيها رائحة الوقود بالخوف، ويعلو هدير السيارات المتزاحمة أمام محطات الوقود، لا يبدو المشهد اقتصادياً بقدر ما هو وجودي.

الطوابير ليست مجرد استجابة لنقصٍ في مادة، بل تعبير عن قلقٍ عميق يتسلل إلى الفرد فيدفعه إلى سؤال بدائي: كيف أنجو؟ هنا، في هذه اللحظة المكثفة، يولد ما يمكن تسميته بـ”وهم الخلاص الفردي”؛ الاعتقاد بأن النجاة ممكنة بمعزل عن الآخرين، وأن الطريق إلى الأمان يمر عبر تجاوزهم، لا عبرهم.

هذا الوهم ليس جديداً.

في عمق الفلسفة الحديثة، نجد عند توماس هوبز تصوراً قاتماً للإنسان في حالة الطبيعة، حيث “حرب الجميع ضد الجميع”، وحيث يصبح البقاء مرهوناً بالقوة والخوف.

وفي سياق مختلف، يحذر جان بول سارتر من أن الإنسان، حين يُلقى في عالم بلا يقين، قد يختار الانكفاء على ذاته، هارباً من عبء المسؤولية الجماعية.

أما زيغموند بومان، فيصف زمننا بـ”الحداثة السائلة”، حيث تتفكك الروابط، ويصبح الفرد مشروعاً قائماً بذاته، يسعى للنجاة في عالم متغير بلا ثوابت.

لكن ما يحدث أمام محطات الوقود يترجم هذه الأفكار إلى واقع ملموس.

الجشع هنا ليس فقط في من يحتكر أو يرفع السعر، بل في تلك اللحظة التي يتحول فيها الخوف إلى سلوك جماعي: كل فرد يحاول أن يملأ أكثر، أن يسبق أكثر، أن يضمن لنفسه هامش أمان، ولو ضئيلاً.

وهنا، لا يعود الآخر شريكاً في الأزمة، بل سبباً فيها.

غير أن هذا السلوك، رغم فردانيته الظاهرة، هو في حقيقته نتاج منظومة أوسع.

فحين تُفرض سياسات قاسية، تصل إلى حد تهديد حياة الأسرى الفلسطينيين، وحين يصبح الإنسان نفسه موضوعاً للقرار السياسي، لا مجرد طرف فيه، فإن الشعور العام بالهشاشة يتضاعف.

لم يعد الفرد يواجه أزمة معيشية فقط، بل يعيش في ظل تهديد دائم لمعنى وجوده.

في مثل هذا السياق، يصبح الانكفاء إلى الذات رد فعل مفهوماً، لكنه يظل قاصراً.

يقول ألبير كامو إن “العبث يولد حين يصطدم توق الإنسان للمعنى بصمت العالم”.

وفي حالتنا، لا يبدو العالم صامتاً فقط، بل قاسياً أيضاً.

ومع ذلك، لم يكن كامو يرى في الانسحاب حلاً، بل في التمرد الواعي، في إعادة خلق المعنى عبر الفعل، لا الهروب.

وهنا، تتكشف حدود الخلاص الفردي: فهو ليس حلاً بقدر ما هو تأجيل للأزمة.

الفرد الذي يملأ خزانه اليوم، لا يستطيع أن يملأه غداً إذا انهار النظام الذي يمده بالوقود.

والذي يحتكر، يساهم في تعميق الندرة التي يخشاها.

والذي ينسحب من الجماعة، يضعف البنية التي تحميه.

هكذا، يتحول الخلاص الفردي إلى دائرة مغلقة: محاولة للنجاة تنتج مزيداً من الخطر.

الفلسفة الاجتماعية تؤكد هذه المفارقة.

الإنسان، كما يرى ايميل دوركايم، لا يُعرَف فقط بوعيه الفردي، بل بانتمائه إلى جماعة تمنحه المعنى والاستقرار.

وحين تتفكك هذه الجماعة، يظهر ما يسميه “الأنومي” أو فقدان المعايير، حيث يصبح السلوك الفردي غير منضبط، وتنهار القواعد غير المكتوبة التي تنظم الحياة المشتركة.

مشهد التدافع، إذن، ليس استثناءً، بل نتيجة طبيعية لانهيار هذه القواعد.

ومع ذلك، لا يمكن الاكتفاء بتشخيص الأزمة.

التحدي الحقيقي هو في إعادة التوازن بين الفردي والجماعي، بين الحاجة المشروعة للنجاة، والضرورة الأخلاقية للتضامن.

فالخلاص، إذا كان له أن يكون، لا يمكن أن يكون فردياً بالكامل، ولا جماعياً بشكل قسري، بل هو تفاعل بين الاثنين.

في المدى القريب، يحتاج المجتمع إلى استعادة الحد الأدنى من النظام: توزيع عادل، رقابة فعالة، ورسائل واضحة تعيد بناء الثقة.

فالثقة ليست مفهوماً مجرداً، بل شرطاً عملياً لعمل السوق والمجتمع معاً.

أما في المدى الأبعد، فإن المسألة تتجاوز الوقود إلى إعادة تعريف العلاقة بين الإنسان ومجتمعه، بين الحاجة والقيمة، بين الاستهلاك والمعنى.

يكتب هانا اريندت أن “أخطر ما في الأزمات ليس أنها تكشف ضعفنا، بل أنها قد تجعلنا نعتاد عليه”.

وهنا يكمن الخطر الحقيقي: أن يصبح التدافع طبيعياً، والجشع مبرراً، والخلاص الفردي بديلاً عن الفعل الجماعي.

لا يمكن إنكار إغراء النجاة الفردية، خاصة في لحظات الخوف.

لكنها تظل، في جوهرها، وهماً هشاً.

لأن الإنسان، مهما حاول، لا يستطيع أن ينجو وحده في عالم يعتمد في بقائه على الآخرين.

وبين طابور الوقود وقرارات السياسة، يتحدد مصير أعمق: إما أن نستسلم لوهم النجاة، أو نعيد اكتشاف معنى أن ننجو معاً.

في النهاية، قد يبدو الخلاص الفردي مغرياً في لحظات الخوف، لكنه، في حقيقته، طريق معزول يقود إلى مزيد من الهشاشة.

وحده الوعي الجماعي، المدعوم بسياسات عادلة، يمكن أن يحول الأزمة من لحظة تفكك إلى فرصة لإعادة بناء ما تآكل.

حينها فقط، لن يكون التدافع هو اللغة السائدة، بل التنظيم.

ولن يكون الخوف هو المحرك، بل الثقة.

ولن يكون الخلاص فردياً، بل مشتركاً… كما يجب أن يكون.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك