تقصّى تحقيق لصحيفة نيويورك تايمز حالات خطف نساء وفتيات علويات في سورية منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/ كانون الأول 2024، موثّقاً روايات تتعلق بخطف مقابل الفدية واعتداءات جنسية طاولت المختطفات.
وذكرت الصحيفة أنها تحققت من 13 حالة خطف لنساء وفتيات من الطائفة العلوية، إضافة إلى رجل وصبي.
وأفادت خمس من ضحايا الخطف بتعرضهنّ للاغتصاب، وعادت اثنتان منهنّ حاملتين، كما وثّق التحقيق حالات إفراج عن مختطفات مقابل دفع الفدية، بينما لا تزال واحدة فقط من المختطفات مفقودة رغم تلقي الخاطفين مبالغ مالية لقاء الإفراج عنها.
وجرت عمليات الخطف، وفق ما وثّق التحقيق في عدد الصحيفة الأميركية الصادر أمس الجمعة، بالقرب من المنازل وخلال التنقل اليومي للنساء والفتيات، وقد نفّذها أشخاص مسلّحون اعتمدوا على الانتماء الطائفي، إذ كانوا يسألون مباشرة عن الطائفة قبل تنفيذ عمليات الخطف.
ومن المختطفات اللواتي أشار إليهن التحقيق، ولاء أيمن إسماعيل، طالبة في كلية الهندسة الكيميائية في جامعة حمص، وتنحدر أصولها من منطقة الشيخ بدر في ريف طرطوس.
اختُطفت أواخر مايو/ أيار عام 2025 قرب الجامعة، وطالب الخاطفون عائلتها بفدية قدرها 15 ألف دولار.
وعادت الشابة إلى أسرتها من دون دفع الفدية بعد الضجة التي أثارتها حادثة اختطافها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إذ أكدت والدتها، اكتمال سلامة، وقوع الحادثة في فيديو مصوّر.
وسبق أن أعلن المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية، نور الدين البابا، في نوفمبر/ تشرين الثاني 2025 عن حالة خطف واحدة من أصل 42 حادثة تلقت الوزارة بلاغات بشأنها، موضحاً أن التحقيق الذي أجرته لجنة خاصة بالوزارة خلص إلى وجود حالات هروب طوعي مع شريك عاطفي، وتغييب مؤقت لدى الأقارب، وهروب من العنف الأسري، إلى جانب التورّط في قضايا دعارة وابتزاز، إضافة إلى بلاغات كاذبة جرى ترويجها عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
وأورد التحقيق أنّ إحدى العائلات أرسلت 17 ألف دولار إلى الخاطفين، الذين لم يطلقوا سراح ابنتهم المختطفة أبداً، وقدّمت لقطات شاشة لطلبات الفدية وإيصالات تحويل الأموال.
في حين ذكرت امرأة تبلغ 24 عاماً بأنها احتُجزت ثلاثة أسابيع في غرفة قذرة، وتعرّضت للاغتصاب والضرب، وحُلق شعر رأسها وحاجبيها، وتعرّضت لجروح باستخدام شفرات حلاقة، قبل أن إطلاق سراحها بعد دفع فدية.
ووفقاً للتحقيق، أوضح نور الدين البابا أنه لا يستطيع التعليق على ما توصلت إليه الصحيفة إلّا إذا قدمت أسماء الحالات التي تحقق منها، إلّا أن الصحيفة رفضت هذا الطلب.
وأضاف: " الحمل لا يثبت وقوع خطف، ورسائل الفدية يمكن تزييفها"، متسائلاً: " بالنسبة لكل هذه الفديات، أين الدليل؟ ".
وقدّر" اللوبي النسوي السوري" اختفاء نحو 80 امرأة وفتاة من الطائفة العلوية منذ مطلع 2025، من بينها 26 حالة خطف مؤكدة، فيما تشير منظمات حقوقية إلى وجود عشرات الحالات الإضافية، مع صعوبة التحقق الكامل بسبب خوف الضحايا وعائلاتهم من التعرض للانتقام.
وتوصي الشبكة السورية لحقوق الإنسان الحكومة السورية بفتح تحقيقات مستقلة وجدية وشاملة في جميع ادعاءات خطف النساء والفتيات العلويات، وما ارتبط بها من عنف جنسي، وفق ما أوضح مدير الشبكة، فضل عبد الغني، لـ" العربي الجديد".
وأضاف أن التحقيقات يمكن أن تُبنى على ما ورد في تحقيق صحيفة نيويورك تايمز وغيره من تحقيقات حقوقية وإعلامية، بوصفه مدخلاً أولياً لتوسيع نطاق التقصي والوصول إلى ضحايا وشهود إضافيين.
وقال: " ينبغي ملاحقة المسؤولين عن هذه الجرائم ومحاسبتهم وفق القانون، أياً كانت انتماءاتهم أو الصلات التي قد تربطهم بتشكيلات مسلحة أو جهات رسمية، مع توفير حماية فعالة للضحايا وأسرهم والشهود، وضمان سرية الشكاوى، وتقديم الدعم الطبي والنفسي والقانوني للناجيات".
وتابع عبد الغني إنّ الشبكة تؤكد أن هذا الملف يتطلب مقاربة مؤسّسية متخصّصة، مشيراً إلى أن العديد من التقارير أشارت إلى أن جزءاً من هذه الحوادث وقع في سياق انتقامي مرتبط بانتهاكات جسيمة ارتُكبت خلال فترة حكم نظام الأسد، بما في ذلك الخطف والاغتصاب، وأضاف: " وثقت الشبكة قرابة 50 حالة خطف، لكنها لم تتمكّن من تحديد الجهة المسؤولة عنها على نحو موثوق، نظراً إلى تعقيد هذا النوع من التحقيقات ومحدودية الإمكانات الفنية والموارد المتاحة حالياً.
ومن ثم، تقتضي مسؤولية الدولة تشكيل آلية تحقيق متخصصة، وتعزيز التعاون مع المنظمات الحقوقية والآليات الدولية، والإعلان بشفافية عن نتائج التحقيقات، بما يسهم في منع العنف الانتقامي والطائفي وترسيخ الثقة بسيادة القانون".
في المقابل، أكد مواطن يعمل مهندساً من محافظة طرطوس، فضل الكشف عن اسمه، لـ" العربي الجديد" أن عدة حالات تغييب لشابات من الطائفة العلوية حدثت بعد سقوط نظام الأسد، وقد نُشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي أنها حالات خطف، إلّا أن هذه المزاعم نُفيت بعد عودتهنّ بعد عدة أيام، وكان من بينهن فتيات كن في زيارة أو تزوجن.
وأشار المصدر إلى امرأة كانت تسكن عند صديقة لها في محافظة حماة، أُشيعت حادثة اختطافها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لتُنفى لاحقاً، كما ذكر حالة أخرى مشابهة لشابة غادرت منزلها بهدف الزواج في محافظة حمص، مشيراً إلى حالتي خطف مؤكّدتَين وقعتا في الساحل خلال عام 2025.
وأكد المصدر أن هذا النوع من الحوادث بحاجة إلى تدقيق وتمحيص شديدين، نظراً إلى حساسيته، مشدّداً على أهمية وجود أدلة قاطعة، ومبيناً أن العامل الأساسي في التوصل إلى الحقيقة يكمن في الثقة والتواصل المباشر مع ذوي المختطفات.
وأشار التحقيق إلى وجود فجوة بين السلطات السورية وذوي المختطفات، مشيراً إلى اتهام العائلات الأجهزة الأمنية بالتقصير أو التقاعس، أو ممارسة الضغوط لتغيير الروايات، وأكد التحقيق أن الضحايا يعانين من آثار نفسية واجتماعية عميقة، وصلت، في بعض الحالات، إلى الانفصال الأسري أو مغادرة البلاد.
وقالت ريما فليحان، المديرة التنفيذية لـ" اللوبي النسوي السوري"، وهي منظمة غير ربحية تتابع حالات الخطف، " الدافع وراء عمليات الاختطاف الانتقام الطائفي، وهي عمليات ممنهجة وتستهدف هذه الطائفة.
إنهم يحاولون جعلها عرضة للخطر"، وفق التحقيق.
وتوجه" العربي الجديد" بسؤال حول ما ورد في تحقيق" نيويورك تايمز" إلى المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية، نور الدين البابا، إلّا أنه لم يتلقَّ ردّاً حول تعليق الوزارة على التحقيق.
وكانت لجنة الأمم المتحدة للتحقيق بشأن سورية قد وثّقت اختطاف ست نساء علويات على الأقل في ربيع 2025، على يد مجهولين في عدة محافظات سورية، وأضافت أن مكان اثنتين على الأقل من هؤلاء النساء لا يزال مجهولاً، مضيفة أن اللجنة تلقت تقارير موثوقة عن مزيد من عمليات الخطف.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك