استهل مروان المعشر حديثه بالعودة إلى الجذور العائلية التي ربطته مبكرا بالقضية الفلسطينية، مذكّرًا بأن والدته هجّرت من يافا عام 1948 وانتقلت إلى عمّان، حيث نشأ في عائلة كانت فلسطين فيها حاضرة بقوة في الذاكرة والوجدان.
غير أنه شدد في الوقت نفسه على أن هذا الارتباط لا يخص من تعود أصولهم إلى فلسطين وحدهم، بل يشمل كل الأردنيين، لأن القضية الفلسطينية بقيت جزءًا من الوعي الوطني الأردني العام، ومن التصور الأخلاقي والسياسي للعدالة في المنطقة.
وقال المعشر: " أنا، ككل أردني، وبغضّ النظر عن أصوله، مهتم جدا بالقضية الفلسطينية وبضرورة وجود حل عادل لهذه القضية.
"الولايات المتحدة: من وسيط منحاز إلى شريك كامل في الهيمنةعندما انتقل الحديث إلى سنوات دراسته في الولايات المتحدة، لم يفصل المعشر بين تجربته الأكاديمية ونظرته المبكرة إلى السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.
فرغم أنه حصل على درجات علمية متقدمة في الهندسة وهندسة الحاسوب، إلا أن تلك المرحلة سمحت له أيضًا بمراقبة الدور الأمريكي في المنطقة عن قرب.
يقدّم الدكتور المعشر نقدًا صريحًا للدور الأمريكي في المنطقة، معتبرًا أن واشنطن لم تكن يوما" وسيطا نزيها" في الصراع العربي الإسرائيلي، بل طرفا منحازا بشكل بنيوي لإسرائيل.
وبرأيه، فإن المنطقة باتت تعيش في ظل" هيمنة إسرائيلية عسكرية واضحة" تحظى بإسناد أمريكي كامل، من دون أي محاولة حقيقية لطمأنة الشارع العربي أو دفع عملية سلام عادلة.
اتفاقات إبراهام وسقوط وهم السلام من دون فلسطينيرى وزير الخارجية الأردني الأسبق أن أحد أبرز أخطاء السياسة الأمريكية في السنوات الأخيرة تمثّل في محاولة القفز فوق القضية الفلسطينية، عبر التركيز على ما عُرف باتفاقات إبراهام، التي سعت إلى بناء سلام إقليمي دون معالجة جوهر الصراع.
وقال المعشر: " جعلت الولايات المتحدة، في عهد بايدن كما في عهد ترامب، من الاتفاقات الإبراهيمية أولوية تكاد تكون وحيدة في سياستها في الشرق الأوسط.
" هذا التوجه، حسب وصف المعشر، جعل من التطبيع أولوية وتجاهل الحقوق الفلسطينية، وكان قائما على فرضية أن الصراع يمكن احتواؤه أو تجاوزه.
غير أن أحداث السابع من أكتوبر، وما تلاها من حرب، كشفت هشاشة هذا الطرح، وأعادت التأكيد على أن القضية الفلسطينية لا يمكن تجاوزها.
في هذا الإطار، يوضح المعشر أن" التفكير كان أننا نستطيع الوصول إلى سلام إقليمي دون النظر إلى القضية الفلسطينية… بل بتجاهلها"، لكن الواقع أثبت عكس ذلك تمامًا.
هبّة نيسان 1989: المحطة المفصليةبالعودة إلى مساره الشخصي، أوضح وزير الخارجية الأردني السابق أن انتقاله من الهندسة إلى العمل العام لم يكن وليد لحظة مفاجئة، بل نتيجة قناعة مبكرة بأن شغفه الحقيقي كان في مجال الخدمة العامة، ولا سيما الإصلاح السياسي.
ويعتبر أن أحداث عام 1989 في الأردن شكّلت نقطة تحول أساسية، حين أدركت الدولة أن معالجة الأزمات الاقتصادية لا يمكن أن تتم دون إصلاح سياسي حقيقي، قائم على توسيع المشاركة الشعبية.
ويقول: " علمتنا انتخابات 1989 أن الحلول للمشكلات الاقتصادية ليست دائمًا حلولًا تقنية، بل هي حلول سياسية بالدرجة الأولى.
"من واشنطن إلى مدريد: تعلّم مخاطبة الغرب بلغتهشكّل انتقال مروان المعشر إلى واشنطن عام 1990 مديرًا لمكتب الإعلام الأردني محطة أساسية أخرى في مساره.
فقد وصل قبل أشهر قليلة من اندلاع حرب الخليج، ليجد نفسه في قلب لحظة صعبة كانت فيها الأنظار الأمريكية والدولية مسلطة على الأردن، لكن من زاوية سلبية بسبب موقفه من الحرب.
وفي تلك الأجواء، تعلم المعشر كيف يخاطب الإعلام الغربي والمؤسسات الأمريكية من موقع الدفاع عن موقف بلاده، ولكن بلغة يفهمها الغرب، لا باللغة الانفعالية أو العاطفية التي كثيرا ما طبعت الخطاب العربي في نظره.
وقال: " علمتني هذه التجربة كيف أتحدث مع الإعلام الغربي، وكيف أقدّم المعلومة من دون انفعال.
"لماذا مضى الأردن نحو معاهدة السلام؟استعاد الدكتور المعشر كذلك تفاصيل مرحلة مفاوضات مدريد وما تلاها، موضحًا أن الأردن لم يذهب منفردا إلى تلك العملية، بل دخلها ضمن إطار عربي ضم سوريا ولبنان والوفد الفلسطيني.
وكانت الفكرة الأصلية، كما يشرح، أن تصل الأطراف العربية مجتمعة إلى تسوية واحدة ومتزامنة مع إسرائيل.
لكن هذا المسار تعثر مع توقيع اتفاق أوسلو من جهة، ومع اقتراب سوريا أيضا من تفاهم مع إسرائيل من جهة أخرى، ما جعل الملك حسين يشعر بأن الأردن قد يجد نفسه وحيدا إذا لم يتحرك لحماية مصالحه.
وفي هذا السياق، شدد المعشر على أن توقيع الأردن معاهدة السلام مع إسرائيل لم يكن، في نظره، قرارا مجردا أو بحثا عن مكاسب تقنية تتعلق بالمياه أو الأراضي، بل كان في جوهره خطوة لحماية الحدود الأردنية ومنع أي تهجير فلسطيني من الأراضي المحتلة باتجاه الأردن، ولمنع حل القضية الفلسطينية على حسابه.
وقال: " الأردن وقّع معاهدة سلام مع إسرائيل حماية للحدود الأردنية، ومنعا لأي تهجير فلسطيني إلى الأردن.
"محاولة اغتيال خالد مشعل: اختبار مبكر لجدية إسرائيلومن أبرز المحطات التي رواها في الحلقة، حادثة محاولة اغتيال خالد مشعل في عمّان عام 1997، وهي الواقعة التي شكّلت، كما بدا في حديثه، لحظة اختبار حاسمة لجدية إسرائيل في احترام معاهدة السلام.
فقد كان المعشر حينها سفيرًا جديدًا في واشنطن، ويروي أن الملك حسين أبلغ الرئيس الأمريكي بيل كلينتون بوضوح أن عدم إرسال المصل المضاد لإنقاذ حياة مشعل سيعني إلغاء معاهدة السلام بالكامل، لا مجرد تعليقها أو اتخاذ خطوة دبلوماسية جزئية.
ويستحضر المعشر هذه الحادثة ليؤكد أن الأردن لم يكن يتعامل مع السلام كاستسلام سياسي، بل كاتفاق مرتبط بمصالح وطنية واضحة، وأنه كان مستعدًا لاتخاذ قرارات كبيرة عندما يرى أن هذه المصالح تتعرض للخطر.
سفيرًا في إسرائيل: تجربة لم يرغب فيها لكنها كشفت له الكثيرعين مروان المعشر كأول سفير للأردن في إسرائيل، وإن كان لا يرغب في هذا المنصب، لا عند طرحه عليه ولا بعد قبوله.
ومع ذلك، قبل المهمة في النهاية بدافع ما اعتبره دفاعًا عن المصلحة الأردنية، لا خدمة للمصلحة الإسرائيلية.
ومن خلال إقامته هناك، تعرّف عن قرب إلى فلسطينيي الداخل، وبنى علاقات وثيقة معهم.
وفي الوقت نفسه، اكتسب معرفة مباشرة" بالعقلية الإسرائيلية".
وهذه المعرفة هي، بحسب تعبيره، ما يجعله اليوم أكثر حدة في نقد إسرائيل ومشروعها التوسعي.
" منذ الأسبوع الأول، قلت للإسرائيليين إن السلام الأردني الإسرائيلي سيبقى سلام حكومات لا سلام شعوب، إذا لم يتم التوصل إلى سلام مع الفلسطينيين.
" يضيف المعشر.
سفيرًا في واشنطن بعد 1997: بين مرض الملك الحسين وصدمة 11 سبتمبرعندما عاد المعشر إلى واشنطن سفيرًا بين 1997 و2002، وجد نفسه شاهدًا على أحداث شديدة الحساسية، من الأشهر الأخيرة في حياة الملك حسين إلى أحداث 11 سبتمبر.
وفي استعادته لتلك المرحلة، تحدث عن تواصله مع الملك الحسين خلال فترة علاجه في الولايات المتحدة، نافيًا أن يكون قد سمع منه أي حديث صريح بشأن ترتيبات ولاية العهد.
كما توقف عند 11 سبتمبر بوصفها محطة كان لها أثر مزدوج: فمن جهة، اتخذ الأردن موقفًا واضحًا وحازمًا ضد قتل المدنيين، وهو ما ساهم في تقوية علاقته بواشنطن، ومن جهة أخرى، عرقلت تلك الأحداث المسار السياسي الذي كان قد بدأ للتو بشأن القضية الفلسطينية، ودفعت إدارة جورج بوش إلى التركيز على العراق وأفغانستان ومكافحة الإرهاب على حساب عملية السلام.
المبادرة العربية للسلام: آخر موقف عربي موحّدومع عودته إلى الأردن وزيرًا للخارجية عام 2002، دخل المعشر في واحدة من أهم المحطات الدبلوماسية في مساره: المساهمة في بلورة المبادرة العربية للسلام وخارطة الطريق.
وقد وصف المبادرة العربية بأنها ربما كانت" آخر موقف موحّد" اتخذه العالم العربي بوضوح كامل، لأنها قامت على معادلة بسيطة وشاملة: انسحاب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة مقابل سلام مع جميع الدول العربية.
وبحسب المعشر، فإن المبادرة كانت قادرة، نظريا، على تلبية احتياجات جميع الأطراف، لكنها فشلت لثلاثة أسباب رئيسية: أولها أن رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون لم يكن مهتمًا بها أصلا لأنه كان يرفض مبدأ الانسحاب، وثانيها أن العرب لم يحسنوا الترويج لها في الغرب بالطريقة التي يفهمها، وثالثها أن واشنطن كانت قد حولت اهتمامها إلى التحضير للحرب على العراق.
غياب المشروع العربي وصعود المشروع الإسرائيليمن أكثر ما يشدد عليه الدكتور مروان المعشر خلال الحلقة تشخيصه لغياب المشروع العربي في مقابل وضوح المشروع الإسرائيلي.
فإسرائيل، في نظره، تملك مشروعا توسعيًا واضحًا يسعى إلى ضم الضفة الغربية والوصول إلى اتفاقات مع الدول العربية تتجاهل القضية الفلسطينية.
أما العرب، فكل دولة تحاول تأمين مصالحها منفردة، من دون تنسيق استراتيجي فعلي.
وبالنسبة له، فإن الاتفاقات الإبراهيمية لم تجلب سلامًا لا للمنطقة ولا حتى للدول التي وقعتها.
بل تزامنت مع مزيد من التشدد الإسرائيلي.
لذلك يكرر المعشر أن القضية الفلسطينية ستظل مركزية، وأنه لا يمكن الوصول إلى سلام إقليمي حقيقي إذا جرى تجاوزها أو الالتفاف عليها.
الحرب على إيران وبوادر تحالف عربي جديدورغم تشاؤمه من الواقع العربي العام، لمح المعشر إلى أن الحرب الأخيرة على إيران قد تكون فتحت بابا جديدا للتفكير العربي المشترك.
فهو يرى أن بعض الدول العربية بدأت تشعر بالحاجة إلى تنسيق أكبر لمواجهة ما يجري، وأن ملامح أولية لتحالف إقليمي بدأت تظهر بين مصر والأردن والسعودية وقطر وتركيا.
ولا يدعي أن هذا التحالف قد اكتمل أو أن فرص نجاحه كبيرة، لكنه يرفض الاستسلام لفكرة أن غياب المشروع العربي قدر نهائي، معتبرا أن التخلي عن المطالبة به يعني الاستسلام للمشاريع الأخرى، سواء كانت إسرائيلية أو إيرانية.
الإصلاح السياسي: ليس ترفًا بل شرطًا للمستقبلوختم المعشر حديثه بالتأكيد على أن أي مشروع عربي جاد لا يمكن أن يقوم من دون إصلاح داخلي حقيقي.
فالدول العربية، في رأيه، تعتمد في أغلبها على نماذج اقتصادية ريعية لم تعد صالحة، سواء في الدول النفطية أو في الدول التي عاشت على المساعدات وتحويلات العمالة.
ومع تراجع أهمية النفط مستقبلًا، لن يكون ممكنًا الانتقال إلى نموذج إنتاجي جديد من دون إشراك الناس فعليًا في صنع القرار، لأن المواطنين لن يتحملوا كلفة التحولات الصعبة ما لم يشعروا بأنهم شركاء فيها.
" الإصلاح السياسي ليس ترفا سياسيا، بل هو ضرورة لمستقبل زاهر لهذه المنطقة"، يواصل الوزير السابق.
كما خصّ مروان المعشر السعودية بالحديث، معتبرًا أنها تقوم اليوم بدور قيادي مهم في المنطقة، لا سيما من خلال موقفها الواضح من التطبيع، القائم على أن الطريق إلى السلام يمر أولا عبر قيام دولة فلسطينية وإنهاء الاحتلال.
وبرأيه، فإن هذا الموقف السعودي يستحق الدعم والبناء عليه، لأنه يوفر نقطة ارتكاز ممكنة لتحالف عربي أوسع، في وقت تبدو فيه المنطقة العربية في واحدة من أكثر لحظات تشظيها وضعفها.
وقال: " المملكة العربية السعودية ليست في وارد التوقيع على اتفاقات إبراهيمية لأنها لا تضمن مبدأ الأرض مقابل السلام.
".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك