خلّفت الموجات العدائية الصاروخية الإيرانية، التي طالت السعودية ودول الخليج، موجةً من الشد والجذب والتساؤلات، حول مواقف وردود أفعال بعض النخب العربية المؤثرة، التي إما التزمت الصمَت، أو باركت تلك الهجمات، ووجدت لها تبريرات من باب أحقية إيران الدفاع عن نفسها.
والبحث في هذا الشأن شائك لكنه واضح المعالم، إذ يرى مراقبون سعوديون وخليجيون، أن مبررات الحق الإيراني في الدفاع عن النفس - التي يسوقها بعض العرب -، من خلال مهاجمة دول مجلس التعاون، باطلة في أصلها ومضمونها، على اعتبار أنها منافية للواقع، الأمر الذي ما إذا افترضنا ضرورة حدوثه، فيجب وفق المنطق، أن تطال تلك الهجمات من بدأ بإشعال فتيل الحرب ضدها، لا دول الخليج المسالمة.
واجتهد كثير من الكتاب والمفكرين في السعودية والخليج، بتشريح واقع الحال العربي، لا سيما المتعلق بمن تم ذكرهم سابقاً.
ويجد الكاتب السعودي عبد الرحمن الراشد، أن وقوف هذه الفئات مع إيران في استهدافها دول الخليج ليس استثناء، بل هو امتداد لنمط تبريري متكرر.
استهداف إسرائيل وتبرير العدوان على الخليجويُفهم من خلال البحث في سطور مقال الراشد الذي نشرته صحيفة" الشرق الأوسط" أواخر مارس" آذار" الماضي، واستدلاله بلبنان، أن تلك الحالة العربية، ليست جديدةً على المشهد، بل لها ارتباطات تاريخية تقاربها مما يقع في الوقت الراهن.
يسترسل الراشد في شرحه: " منذ ثلاثة عقود، يعيش لبنان دورات من الانهيار والدمار تحت تأثير مشروع إيران وأدواته، وعلى رأسها" حزب الله"، مع ذلك ظلّت قطاعات عربية لا ترى لبنان بلداً وشعباً، بل مجرد معسكر، وتمنح هذا الواقع غطاء بحجة" المقاومة".
ما يحدث في الخليج اليوم يعيد إنتاج المشهد ذاته.
استهداف إيران إسرائيل يبرر العدوان على الخليج".
شواهد غزو صدام حسين للكويتمضى الراشد بتمحيص ما تشكّل من رأي عام لدى بعض العرب الذين وجدوا العذر لاعتداءات إيران على دول الخليج، واعتبره ليس جديداً على الذاكرة العربية.
ويستدل الراشد: " بُرر احتلال صدام حسين للكويت عام 1990 بخطابات مشابهة، تُعيد تعريف العدوان على الخليجيين باعتباره" توازناً" مع العدو.
هذه الأطروحات لا تموت بل تتناسل عبر أجيال.
العلة في البنية الثقافية التي تُعيد تفسير الوقائع، وفق قوالب جاهزة ونظريات مؤامرة عن التوسع وتصفية القضية، وغيرها من مسوغات الاعتداء".
في سياق منطلق ربط حق إيران في الدفاع عن نفسها، بالتواجد الأمريكي في دول الخليج، يبرز تساؤل عميق مفاده: هل القواعد الأميركية – في حال افتراض وجودها -، تتمركز فقط في أراضي تلك الدول، أم أن لها وجود في مواقع ودول أخرى؟ بالطبع لا.
فالوجود الأمريكي يبرز في تركيا على سبيل المثال لا الحصر، عبر قاعدة" إنجرليك الجوية"، التي لم تتجرأ إيران على مهاجتمها، خشية اندلاع مواجهة عسكرية مع تركيا، وهذا يعني أن الاعتداء على دول الخليج، ذو أهداف إيرانية جيوسياسية مختلفة الأبعاد، لم يفهمها أصحاب تلك الآراء من العرب حتى الآن.
وإن تم قبول فكرة الحق الإيراني بقصف ما يمكن أن يسمى افتراضياً" تواجد أميركي"، فهذا الباب يفتح المجال من جهة مقابلة لإيران، لرجم بعض الممرات والمضائق في المنطقة، كقناة السويس مثلاً، على أساس أن البارجات الأميركية التي دكت حصون طهران وحيدت قواتها الجوية والبحرية والصاروخية عن الخدمة، مرّت، ولا تزال تمرّ من هناك، وفقاً لباحثين.
بالرجوع لآراء المحللين، يحاول الصحافي السعودي ميرزا الخويلدي، التفريق بين مفهوم الخذلان الذي يعاني منه الكثير من السعوديين والخليجيين، نظير ردود الأفعال النخبوية العربية، وبين التوقعات المحتملة.
يتصور الخويلدي في مقالٍ نشر في" الشرق الأوسط" قبل أيام، بعنوان" لماذا خذلونا؟ "، أن السؤال مبنيٌ على تصورات خاطئة، بينما الواقع يقود لتغيير لُب نمطيته، إلى" ماذا كنا نتوقع"؛ في إشارة إلى أن المنتظر يجب أن يكون أقل من المتوقع.
الاستعلاء الثقافي في الرؤية للخليجأساس هذه الرؤية تقوم على فكرة" الاستعلاء الثقافي" التي لا ترى في الخليج سوى مخازن للموارد، ومناطق نفوذ يجب تطويعها لخدمة" المعركة الكبرى".
وهذا حديث الخويلدي، الذي يبحر في رؤيته، ويستنتج نظرة بعض العرب القائمة على أن هذه المنطقة مجرد" أطراف" غنية بالنفط، لكنها فقيرة بالشرعية القومية، ناهيك عن ارتهان النخبة للخطاب الشعبوي.
وتلك الملاحظات التي وضعها كتاب سعوديون برسم الجمهور، تتوافق مع عتاب أبداه بلغةٍ حادة، الدبلوماسي الإماراتي أنور قرقاش، مستشار الرئيس الإماراتي للشؤون السياسية، الذي ذكّر مؤسسات العمل العربي والإسلامي المشترك، على رأسها الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، بمواقف دول الخليج، التي كانت سنداً وشريكاً للجميع في أوقات الرخاء، متعجباً" أين هي وقت الشدة"؛ بحسب تدوينة كتبها على حسابه الشخصي في منصة" إكس".
وظل قرقاش يبحث عن مواقف الدول العربية والإقليمية" الكبرى" – التي لم يُسمّها -، بظل تعرض الشعوب الخليجية للعدوان الإيراني الغاشم.
واستمرت تغريدته حتى بلغ القول: " في هذا الغياب والعجز، لا يجوز لاحقاً الحديث عن تراجع الدور العربي والإسلامي، أو انتقاد الحضور الأمريكي والغربي"؛ كخطوة لقطع الطريق أمام الانتقادات المستقبلية.
يقودنا استحضار تفاصيل المشهد العربي أمام الاعتداءات الإيرانية إلى فتح الملفات العربية، تبرز في الإطار ذاته مواقف جامعة الدول العربية التي تطالب بعض النخب الخليجية بإلغاء ميثاقها، نتيجة تراخي مواقفها بعد الهجمات التي تعرضت لها دولهم من قبل إيران.
في لقاء أجرته" قناة العربية" من نيويورك، قُبيل مغادرة الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط منصبه، وواجهته بعديد من الانتقادات، على رأسها أن الجامعة، لطالما كانت متأخرة عن إبداء المواقف تجاه القضايا والملفات العربية، تصدى لذلك بالنفي، بأنها وأمينها، مقيدان بإجراءات مرتبطة بالدول الأعضاء.
ضمن سياق إجابته، يعتبر أبو الغيط نفسه" مجرد ممثل"، لا يستطيع تخطي الإجراءات، كون أن هناك دول لديها مصالح.
يضيف: " ليس لدي أدوات للعمل المسلح، لمن يرى أن مواقفي يفترض أن تقوم على الدفاع عن العرب".
في سياق بحثي وضعت" العربية.
نت"، يدها على ورقة بحثية نشرت في يوليو" تموز" من عام 2020، تناولت أوضاع الجامعة العربية.
وبرز فيها رأيٌ لنبيل فهمي الأمين العام المُعين حديثاً على رأس الجامعة العربية، وسبق أن شغل منصب وزير الخارجية المصري، تصور فيها أنه بالضرورة قبل توجيه اللوم للجامعة، فمن المناسب التنويه إلى أن أغلب المنظمات الدولية العظمى في أنحاء العالم، تتعرض لإنتقادات شديدة، وعلى رأسها الأمم المتحدة، ومنظمة التجارة العالمية، في عصر مشحونٍ ب" قضايا العولمة والتكنولوجيا"، لافتاً إلى أنه على" العرب الفخر" بإنشائها عام 1945، كمبادرة تحتوي على فكرٍ خلاّق، ووعي تعاوني يؤدي لتحقيق المصالح.
وزير الخارجية الكويتي: محدودية الفاعليةتجسدت حالة امتعاض خليجي من المواقف العربية المنتظرة، لا سيما الصادرة عن جامعة الدول العربية، إذ تجلى ذلك الامتعاض في خطاب جراح الجابر، وزير الخارجية الكويتي، الأسبوع الماضي، خلال اجتماع الدورة 165 لمجلس الجامعة على المستوى الوزاري، إذ أكد أن التجارب المتعاقبة، كشفت عن محدودية فاعلية منظومة العمل العربي المشترك في إطار الجامعة، الأمر الذي يستدعي وقفة مراجعة صريحة ومسؤولة، وإعادة هيكلة شاملة، تعزز من كفاءة آليات اتخاذ القرار، بما يكفل الاستجابة التي تتناسب مع تعقيدات المرحلة.
دول الخليج ونصرة الأمة والصمت العربيوخلال كلمته، أسف وزير الخارجية الكويتي، على ما وصفه بـ" القصور العربي"، بوقتٍ لم تدخر دول مجلس التعاون أي جهداً لنصرة قضايا الأمة العربية والإسلامية سياسياً واقتصادياً، إذ كانت ولا تزال، في طليعة الداعمين للاستقرار والتنمية، وحريصة على وحدة الصف العربي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك