في خضم الجهود التي تبذلها وزارة التعليم العالي والبحث العلمي لتطوير منظومة التعليم، لا يمكن إلا الإشادة برؤية إصلاحية تسعى إلى الارتقاء بجودة المخرجات الأكاديمية وتعزيز مكانة التعليم العالي الأردني.
غير أن هذه الجهود، على أهميتها، قد تصطدم أحيانا بتحديات واقعية يواجهها الدارسون في الخارج، لاسيما أولئك الذين يجمعون بين الدراسة والعمل والالتزامات الأسرية.
اضافة اعلانإن من أبرز هذه التحديات ما يتعلق بمدة الإقامة الإلزامية في بلد الدراسة.
هذه المدة، وإن كانت مبررة في بعض التخصصات العلمية والتطبيقية التي تتطلب حضوراً ميدانياً مكثفاً، إلا أنها تبدو طويلة ومرهقة بالنسبة لطلبة التخصصات الإنسانية.
فطبيعة هذه التخصصات، التي تعتمد في جوهرها على البحث النظري والتحليل، لم تعد تستوجب التواجد المستمر داخل الحرم الجامعي، خاصة في ظل التحول الرقمي الذي أعاد تشكيل العملية التعليمية عالمياً.
أثبتت التجربة الحديثة أن أدوات التعليم عن بُعد، والمنصات الرقمية، والاجتماعات الافتراضية، قادرة على توفير بيئة تواصل فعالة بين الطالب والمشرف الأكاديمي.
بل إن العديد من الجامعات العالمية باتت تعتمد هذا النمط بشكل أساسي، دون أن يمس ذلك بجودة الإشراف أو مخرجات البحث.
ومن هنا، يصبح من المشروع إعادة النظر في شرط الإقامة الطويلة، بما يحقق التوازن بين متطلبات الجودة الأكاديمية والاعتبارات الإنسانية والوظيفية للدارسين.
وفي هذا السياق، يمكن طرح مقترحين عمليين؛ أولهما، تقليص مدة الإقامة الخارجية بالنسبة للتخصصات الإنسانية، بحيث تكون أكثر انسجاماً مع طبيعة الدراسة، وأقل تأثيراً على حياة الدارسين المهنية والأسرية لأقل من 8 أشهر.
وثانيهما، في حال الإبقاء على المدة الحالية، إعادة تنظيمها بحيث تكون على شكل فترات قصيرة ومتقطعة، لا تتجاوز شهراً في كل مرة، بدلاً من فترات طويلة متصلة.
وهذا من شأنه أن يمنح الموظف مرونة أكبر في إدارة إجازاته، ويخفف من وطأة الغياب الطويل عن الأسرة والعمل.
ولا يقل أهمية عن ذلك، النظر في تفعيل نظام الإشراف المشترك، من خلال تعيين مشرف وطني إلى جانب المشرف الأجنبي.
هذا التوجه لا يسهم فقط في تعزيز جودة المتابعة الأكاديمية، بل يوفر كذلك ضمانة إضافية عند معادلة الشهادات، ويعزز من ارتباط البحث العلمي بالسياق الوطني واحتياجاته.
ما أريد قوله ختاماً إن «التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في فرض شروط أكثر صرامة، بل في تصميم سياسات تعليمية مرنة، تراعي التحولات العالمية في أنماط التعلم، وتستجيب لظروف الدارسين دون الإخلال بجوهر الجودة الأكاديمية؛ فالتعليم لم يعد حبيس الجدران، بل أصبح فضاءً مفتوحاً يتجاوز الحدود الجغرافية، ويستثمر في التكنولوجيا لتحقيق أعلى درجات الكفاءة».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك