في ظل تصاعد الاضطرابات الاقتصادية والجيوسياسية عالميا، تواجه سلاسل التوريد تحديات غير مسبوقة أثرت على حركة البضائع وانسيابها بين الدول، وما بدأ في السابق كاضطراب في التدفق، يتمثل في تأخر الشحنات وارتفاع تكاليف النقل والطاقة، أصبح يهدد الآن استقرار الطلب، مؤثرا على سلوك المستهلك والأسواق بشكل أوسع، حتى برزت أهمية تطوير استراتيجيات بإدارة مرنة قادرة على التكيف مع الصدمات.
تقول الدكتورة مها الشيخ، أستاذ سلاسل التوريد والدعم اللوجستي، أن ما يشهده العالم اليوم ليس مجرد اضطراب عابر في سلاسل التوريد، بل تحول تدريجي من اضطراب التدفق إلى اضطراب الطلب، فالمرحلة الأولى تركزت على تأخر حركة البضائع وارتفاع التكاليف وضغط على انسيابية الطاقة والمنتجات، بينما يظهر الخطر الحقيقي عندما يصل تأثير الصدمات إلى السوق والمستهلك نفسه، مؤثرا على سلوك الشراء، الكميات المخزنة، وخيارات التخلي عن بعض المنتجات.
عندما يصل التأثير إلى المستهلكأوضحت «الشيخ» في تصريح خاص لـ«الوطن»، أن السوق لا يتحرك بالوقائع فقط، بل بالتوقعات والخوف أيضا، ومع ارتفاع أسعار الطاقة والمدخلات، تنتقل الصدمة تدريجيا من الكلفة للغذاء، ثم القوة الشرائية، وصولا لسلوك الطلب، بالتالي، ولم يعد السؤال حول تدفق البضائع فقط، بل حول مدى عقلانية وتنظيم الطلب في السوق.
وأشارت إلى أن المرحلة المقبلة تعتمد على قدرة الشركات والدول على إدارة هذه التفاعلات بعناية لتجنب فوضى الطلب وانهيار الثقة.
شبكة مرنة للتعامل مع الأزماتأكدت أن مفهوم هندسة التدفقات يتجاوز مجرد البحث عن مسارات بديلة للبضائع، فالأمر يتعلق ببناء شبكة قادرة على الصمود تحت الضغط، تشمل موردين بدلاء، مسارات نقل متعددة، قرارات مبكرة، وآليات تشغيل قابلة للتنفيذ، وأضافت أن قراءة البيانات مبكرا لا تمنع الصدمة بالكامل، لكنها تقلل من احتمالات تحولها إلى ذعر شامل.
فيما يخص أوروبا، شددت على أن المشكلة لا تقتصر على مضيق هرمز، بل تمتد إلى تكاليف الطاقة والتأمين، ومدخلات الإنتاج، والتضخم المتنقل عبر التجارة، وعندما ترتفع كلفة الإنتاج في سلاسل متشابكة، يظهر أثرها لاحقا على السلع المصنعة والغذاء والقدرة الشرائية، ما يجعل إدارة الانسيابية أمرا حاسمًا للحفاظ على استقرار السوق.
واختتمت بالقول إن العالم لا يفقد السلع أولا، بل يفقد انسيابها المنتظم، وعندما تتعطل الانسيابية، ترتفع الكلفة ويبدأ المستهلك في البحث عن بدائل أرخص وأقل جودة، محولة الأزمة من مجرد لوجستية إلى أزمة ثقة في السوق.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك