لا يدري أحدٌ، إذ لم يحدث هذا بعد، إذا ما أمكنَ أحداً ممسوساً بـ «دويندي» العلم، من أن يَدخُلَ بوابة عالمٍ موازٍ يوجد فيه الشاعر فيدريكو غارسيا لوركا، ويسألَ الشاعرَ العظيم الذي مات ولا ندري إن عاش بمعنى ما ملءَ عيونه عن شوارد قصائده ومعاني حياته وموته، وجعلَ الخلق يسهر جرّاها ويختصمُ، حول الحقائق والأوهام حولها: ما هو رد فعله نفسه على اختلاف الروايات عنه وأيّ منها هو الحقيقة؟ ضمن التساؤل طبعاً إن كان رأى ويرى ما حدث ويحدث لعالم التفاعل مع شعره وحياته من بعد اغتياله.
ولا حاجة في هذا طبعاً لسؤال الشاعر المصري عماد أبو صالح، مؤلف كتاب «أخي لوركا» المهم فعلاً رغم تراكم آلاف الكتب عن شعر لوركا وحياته وموته على مدى تسعين عاماً؛ ذاتَ السؤال.
إذ تكمن إجابته اللاإجابة في كتابه الذي يُنصح القارئ بقراءته، كي يستمتع بجميع ما غمض وما تجلّى ناصعاً من فصول الكتاب الستة، حول حياة لوركا وموته.
إضافةً إلى الكثير من حياة معاصريه، وبالأخص منهم المخرج السينمائي لويس بونويل والفنان التشكيلي سلفادور دالي الذين عقد معهما صداقة حفلت بالأحداث والمواقف والخلافات والضغائن والنذالات والأفكار والرؤى حول الفن والحياة، وانتهت إلى كشفٍ وعِبر حول ارتباط وانفصال الفنان عن فنه بطبيعة ومواقف حياته.
مثلما سيستفيد إن كان مهتماً بتفاصيل أكثر حول لوركا من الفصلين الأخيرين اللذين خصّصهما أبو صالح، الأول لهوامش غنية شملت اثنين وثمانين هامشاً حول الأماكن والشخصيات الواردة في الكتاب، والثاني للمراجع تحت عنوان «إحالات»، وشملت ستة عشر مرجعاً باللغة العربية أو مترجماً لها، واثنين وعشرين مرجعاً باللغة الإنكليزية.
ومثلما سيصاب القارئ خلال قراءته هو الآخر كما الكاتب بعدوى التعاطف الإنساني، ومسّ الخيال في خلاياه بتساؤلاتٍ وإجاباتٍ داخلية تورِقُ بالمعاني حول الفن والحياة، وربّما بمسّ «الدويندي» البرقيّ ذاته، المرتبط بالفلامينكو، والذي سيكتشف معانيه العميقة داخل الكتاب، في إنتاج عمل يُشعِل الجسورَ بين العوالم ويُطفِئُها في ذات الوقت مخلّفاً جوهرة الإبداع التي لا تظهر إلا في حالة انضغاط الفحم حدّ الموت بهذا المسّ.
وذلك من خلال الفصلين اللذين يخصصهما أبو صالح عن الـ«الدويندي» المرتبط بالفلامينكو، الأول تحت عنوان «صياد الدويندي» الذي يبلور فيه رؤيته عنه، والآخر بعنوان محاضرة لوركا نفسها عنه: «لعب ونظرية الدويندي» الذي يبلور فيه رؤية لوركا بإيراد هذه المحاضرة عنه كاملة لختام الكتاب الذي قدّمه بكلمة تلخصه على غلافه الأخير بـ:«لا تزال حياة وأعمال لوركا تثير أسئلة عميقة، وتتسع لتأويلات جديدة، رغم مرور تسعة عقود على غيابه.
يومًا وراء يوم تكبر عائلة قرائه ونقاده ومترجميه وأصدقائه ومحبيه.
أفرح كلما يفشلون في العثور على قبره، وأرجو ألا يجدوه.
هذا يمنحني الأمل في أنه حي، إذ لا قتيل بلا جثة، ولا ميت دون قبر.
إذا كان الأحياء يحتاجون القبور ليلقوا عليها الأزهار، فإنني أميل إلى ما يقوله أندريه بيلامیش: «لا يهم إلقاء الأزهار على قبر لوركا، يكفي أن نتذكره كلما نرى الأزهار.
قالت أمه، ذات مرة، وهي تحكي عن طفولته: «غنّى قبل أن يتكلم»، أما هو فقال في مرثيته لصديقه إغناسيو سانشيز مصارع الثيران، «الآن، دمه يسيل من الأغاني»، وهي أفضل جملة شعرية أستعيرها لأرثي بها لوركا نفسه، لوركا الذي أراه في كل أغنية وزهرة ورصاصة».
تحدّي طريق الفخاخ بالتعاطف.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك