نواكشوط ـ «القدس العربي»: في أقصى الشمال الموريتاني، حيث يمتزج الرمل بالذهب، لم يعد المشهد مجرد مغامرة فردية لآلاف المنقبين، بل تحول إلى قضية سيادية معقدة تتقاطع فيها اعتبارات الأمن والاقتصاد والسياسة.
قرار السلطات الموريتانية بإبعاد المنقبين الأجانب وغالبهم من السودان عن أروقة التنقيب الأهلي المفتوحة أمام المواطنين الموريتانيين وحدهم، لم يكن إجراءً إدارياً عادياً، بل خطوة تعكس تحوّلاً في طريقة إدارة هذا القطاع الحساس.
ولسنوات، شكّل السودانيون العمود الفقري للتنقيب الأهلي في الشمال الموريتاني، مستفيدين من خبرتهم الطويلة في هذا المجال، ومن هامش تساهل رسمي فرضته ظروف الحرب في السودان والعلاقات الاجتماعية الممتدة.
لكن هذا «التسامح المرحلي» بدأ يتآكل مع تزايد أعداد الأجانب في مواقع التنقيب، خاصة من مالي وتشاد، وتحول النشاط إلى فضاء مزدحم يصعب ضبطه.
وأكدت مصادر أمنية أن القانون الموريتاني واضح في حصره للتعدين الأهلي بالمواطنين أما الأجانب فيلزمهم حسب القانون الحصول على رخص رسمية.
فقد فرض الواقع الميداني استثناءات مؤقتة دخل في ظلها الأجانب، لكنها سرعان ما اصطدمت بتحديات أمنية متصاعدة، دفعت الدولة إلى إعادة فرض النص القانوني بحزم.
ويرتبط التحول الحاسم في القرار وفق المعطيات المتقاطعة، بملف الأمن الحدودي؛ فقد أشارت مصادر رسمية إلى تكرار حالات عبور غير قانوني نحو الأراضي الجزائرية، ما وضع موريتانيا في موقف حرج إقليمياً؛ كما طُرحت شبهات تتعلق بتهريب الذهب خارج القنوات الرسمية، بل وحتى إدخال أسلحة عبر بعض المسالك الصحراوية.
ونقلت هذه المعطيات الملف من خانة «تنظيم قطاع اقتصادي» إلى مستوى «حماية الأمن الوطني»، وهو ما يفسر قرار الإخلاء الشامل للأجانب من مناطق التنقيب، مع منح السودانيين وضعاً خاصاً يسمح لهم بالبقاء داخل البلاد شرط تسوية إقامتهم.
ولم يعد التنقيب الأهلي في موريتانيا نشاطاً هامشياً، فقد أكدت تقديرات غير رسمية إلى أن آلاف المنقبين ينشطون في الشمال، وأن كميات معتبرة من الذهب تُستخرج خارج الدوائر المنظمة، وقد خلق هذا الواقع اقتصاداً موازياً يصعب تتبعه، وعمليات تهريبه تضعف عائدات الدولة.
كما أن دخول أعداد كبيرة من الأجانب، بخبرة تقنية أعلى أحياناً، أدى إلى ما يشبه اكتساح للمجال، وفق تعبير مصادر رسمية، ما أثار امتعاضاً متزايداً داخل الأوساط المحلية، وطرح أسئلة حول العدالة في تقاسم الفرص.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك