لم يكن مستغرباً إعلان أربع دول خليجية، على نحو متزامن تقريباً، عن كشف خلايا نائمة على أراضيها مرتبطة بإيران وأذرعها العسكرية.
فبناء شبكات سرية يُشكِّل الوجه الآخر للاستراتيجية الإيرانية في التغلغل في الدول، حيث لا هيمنة مباشرة عليها، بهدف بناء أدوات نفوذ وخلق بنى تحتية جاهزة يمكن تفعيلها عند الحاجة، سواء لأغراض الضغط السياسي أو التصعيد الأمني وحتى الاقتصادي – المالي.
إنه الوجه المكمل للأذرع العسكرية والأمنية التي بنتها على أُسس عقائدية ومذهبية في دول المنطقة من لبنان والعراق إلى اليمن، وحيث يمكن لأقدامها أن تصل إلى قارات العالم.
فوفق بيانات رسمية، أظهر رصد ضبط تسع خلايا مرتبطة بإيران وأذرعها، وعلى رأسهم «حزب الله»، في قطر، والبحرين، والكويت، والإمارات، خلال 27 يوماً.
وتُشير البيانات إلى أن هذه الخلايا، التي بلغ عدد أفرادها نحو 74 شخصاً من جنسيات متعددة، كانت منخرطة في أنشطة تتراوح بين التخابر، وجمع الأموال، والتخطيط لعمليات تستهدف شخصيات ومصالح حيوية.
تتسم هذه الخلايا بعدة خصائص مشتركة.
أولها: الطابع الشبكي، حيث تعمل ضمن مجموعات صغيرة مترابطة، ما يصعّب كشفها دفعة واحدة.
ثانيها: الارتباط الخارجي، سواء عبر قنوات مباشرة أو غير مباشرة، مع جهات مرتبطة بإيران، بما في ذلك «حزب الله»، الذي يلعب في كثير من الأحيان دور الوسيط أو المشغِّل في مثل هذه العمليات.
أما ثالثها: فتنوّع المهام، إذ لا تقتصر على العمل الأمني، بل تشمل أيضاً اختراقات تجارية واقتصادية وتمويلية.
ترتبط هذه الشبكات، في كثير من الحالات، بجهات وسيطة مثل «حزب الله»، الذي يلعب دوراً محورياً في نقل الخبرات وتدريب العناصر وإدارة بعض العمليات، ولا سيما في الكويت والبحرين.
فتتحوَّل العلاقة إلى شبكة متعددة المستويات، حيث لا تكون إيران دائماً في الواجهة، بل تُدير نفوذها من الخلف عبر طبقات من الأذرع وأدواتها المالية والاقتصادية.
ويعكس اكتشاف هذه الخلايا قدرات الأجهزة الأمنية الخليجية، على رصد وتعقب هذا النوع من التهديدات المعقدة؛ وهي ليست مجرد تهديد أمني عابر، بل مؤشر على طبيعة الصراع في المنطقة، الذي بات يُدار عبر منظومات معقدة تجمع بين العمل العلني والسرّي.
فإيران لا تعتمد على أداة واحدة، بل على منظومة متكاملة تشمل الميليشيات، والشبكات السياسية، والخلايا الأمنية، في إطار استراتيجية طويلة الأمد كانت تهدف، على الدوام، إلى ترسيخ نفوذها الإقليمي.
وكشفت اعتداءات النظام العقائدي – الذي يُمطر الدول الخليجية بالصواريخ الباليستية والمسيَّرات في عدوان صارخ تحت ذريعة استهداف القواعد الأمريكية، منذ الحملة العسكرية الأمريكية – الاسرائيلية على إيران في 28 شباط/فبراير الماضي – أنَّ التعامل مع الاعتداءات والتهديدات الإيرانية هو تحدٍ استراتيجي طويل الأمد.
كان واضحاً لدول الجوار أن بناء الجمهورية الإسلامية الإيرانية مرتكزاتها على مفهوم «تصدير الثورة الإسلامية» يحمل أخطاراً جمَّة على أمنها القومي وبيئاتها المجتمعية في الداخل، بقدر ما يحمله ملفها النووي.
شكَّلت مسألة أذرعها الإقليمية وبرنامجها الصاروخي أحد أبرز مطالب واشنطن وحلفائها منذ انخراط إيران في مسار التفاوض مع الولايات المتحدة، وخصوصاً في السنوات التي سبقت توقيع الاتفاق النووي الإيراني 2015.
غير أن طهران نجحت، إلى حدّ كبير، في تحييد هذين الملفين عن طاولة المفاوضات، وحصر النقاش في الملف النووي، وهو ما اعتبر إنجازاً استراتيجياً بحد ذاته.
اعتمدت إيران مقاربة تفاوضية واضحة تقوم على مبدأ الفصل بين الملفات، باعتبار أن برنامجها النووي هو الموضوع الوحيد القابل للتفاوض، بينما الصواريخ الباليستية ودعم الحلفاء في المنطقة هما «شأنان سياديان» غير قابلَين للنقاش.
كان هذا الموقف، ولا يزال، جزءاً من استراتيجية مدروسة لحماية عناصر القوة الأساسية في مشروعها الإقليمي.
وقد نجحت، مدعومة بتفاهمات مع قوى دولية أخرى، في حصر الاتفاق في الجوانب النووية التقنية.
وساعدها في ذلك رغبة القوى الكبرى في التوصل إلى اتفاق سريع يمنع تطوُّر البرنامج النووي، حتى لو كان ذلك على حساب ملفات أخرى.
وأتاح لها تباين مواقف القوى الدولية، المناورة وتفادي الضغوط القصوى.
خلال العقدين الماضيين ما بعد الغزو الأمريكي للعراق في 2003، وتوقيع الاتفاق النووي في 2015، تمددت إيران عبر أذرعها وخلاياها في المنطقة بشكل كبير لخلق وقائع ميدانية تجعل من نفوذها الإقليمي عنصراً يصعب التفاوض عليه، كما عملتْ – عبر أذرعها – على بناء شبكة الأمان لنظامها.
ما عاد هذا واقع إيران اليوم بعد هجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 على إسرائيل الذي شنَّته حركة «حماس»، وبعد حرب الـ66 يوماً الإسرائيلية على «حزب الله» في لبنان، وحرب الـ12 يوماً على إيران، والحملة الأمريكية – الإسرائيلية التي يواجهها نظام الملالي منذ 28 شباط/فبراير الماضي ولا تزال تتوالى فصولاً، والتي طالت تداعياتها بشكل مباشر دول الخليج العربي.
تلعب طهران بكل أوراقها في هذه الحرب التي كانت ترى أنها واقعة لا محالة، وكانت تُطلق عليها تسمية «الحرب الأخيرة».
استخدمت أذرعها – «حزب الله» والفصائل العراقية – واستهدفت المواقع الحيوية في دول الخليج وأغلقت مضيق هرمز وبدأت تستخدم ورقة الحوثي في اليمن والتلويح بإغلاق باب المندب، وحرَّكت خلاياها النائمة في دول خليجية، وتُبقي على هذه الورقة في ما خص أمريكا ودول الغرب التي رفعت منسوب الإجراءات احترازياً لأعمال تخريبية.
هي أخطار تفوق بحدتها ما يُشكِّله برنامجها النووي.
ولم يعد ممكناً أن لا تكون جزءاً رئيسياً في أي حلول أو تسويات أو مفاوضات ستلي الحرب الدائرة اليوم مهما كان شكل انتهائها، سواء بوقف النار أو الهدنة أو الاستسلام أو إعلان أمريكا انتهاء مهمتها.
باتت هذه الملفات توازي الملف النووي وربما تتقدَّمه من حيث الأهمية بالنسبة لأمن دول الخليج التي وجدت نفسها في قلب «الحريق»، كما بالنسبة لإسرائيل التي تنظر إلى المواجهة القائمة مع إيران وأذرعها على أنها مسألة وجودية.
يقول الرئيس الأمريكي إن حماية الحلفاء في المنطقة جزءٌ من حملته العسكرية، ويقصد هنا بـ«الحلفاء» دول الخليج، ولا سيما السعودية، والإمارات، وقطر، والكويت، والبحرين، فضلاً عن إسرائيل بالطبع.
غير أن ذلك لا يمكنه أن يُشكِّل عامل اطمئنان صلباً للمنظومة الخليجية التي سبق أن استُبعدت من مفاوضات 2015، لا بل جاء الاتفاق النووي على حساب مصالحها وأمنها القومي.
القلق الخليجي مشروع ما دامت المواجهة الأمريكية – الإسرائيلية مع إيران مستمرة، وإمكانات تدحرج الحرب ممكنة، والنهائيات لم تُرسم بعد في المنطقة التي يُعاد تشكليها من جديد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك