هل هذه الوحدة ابتلاء مقدر؟ هل هي عدسة مكبرة تركز مئات المرات على النواقص، متغافلة عن إحصاء النعم واستشعارها؟ أأنا مسير في المكوث معه أم مخير في الخروج منه، في التركيز عليه أو تجاهله؟هكذا بدأ صديقي الحليم حديثه بثلاثة أسئلة جوهرية من دون مقدمات، ثم استرسل قائلا: هو شعور كلما مر عليه الدهر تعمقت جذوره في الروح، شعور ملازم لي منذ سنوات لا أكاد أحصيها، يجثم داخل الصدر كلما فكرت به، لقد أدمن ذهني التفكير فيه حتى أصبح عادة، والعادة تولد عمقا أكبر لهذا الشعور في أبعاد الكون من حولي.
ثم يستطرد قائلا: الوحدة أعمق من مجرد غياب الناس، إنها شعور وجودي يمكن أن يتعمق حتى في حضرة الآخرين، فيصبح جزءا من نسيج الروح، هو شعور قد يفتك بكيان الإنسان وقلبه، يجعل المرء شارد الذهن، يحدق في الفراغ، وتكاد عينه لا ترمش أكثر من مرة في الدقيقة، كمستنقع موحل يحتاج إلى قوة دفع رهيبة لخروج الروح منه.
شعور الفراغ المصاحب للوحدة مدمر لنفسك، حارب الفراغ وتطوع بعمل الخير للآخرين؛ ستكتشف أن لديك القدرة على العطاء حتى بوجود الحزن العميق والشعور بالتشتتدعني أخبرك أنه في قمة هذا الشعور يكون صدري ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء، أنفاسي ثقيلة، خائف من نفسي وعلى نفسي، غير قادر على النوم، لا أستطيع إيقاف شريط الذكريات الذي يولد مزيدا من الألم والحسرة، تركيزي مشتت، أجدني وحيدا جدا فاقدا للرغبة في الحياة، أستثقل تحركي من الكرسي، تائها داخل نفسي.
لكن للوحدة ميزة واحدة: إنجاز الطموحات؛ لأنك بطبيعة الحال تقضي وقتا أطول مع نفسك، وتتفرغ تماما للتخطيط لتنفيذ أهدافك.
اختلفت دعواتي على مرور السنوات، إلا أن دعوة لم تفارق لساني ولم تهدأ عنها روحي: " رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين"، دعاء سيدنا زكريا عليه السلام، وأيضا: " اللهم آنسني في وحدتي".
أترى يا صديقي؟ لم يستمر معي أحد في رحلة الحياة سواك، لقد مزقت بلادنا الحروب والكربات، فقدت الكثير بسبب المرض والموت والهجرة، حضن العائلة مفقود، ولم يستمر معي أي حال أو شعور سوى شعور الوحدة، فهو الثابت في الحياة، المستمر والباقي، المتمرد كالعشب العنيد الذي يأبى أن تُقتلع جذوره.
يمر الوقت وتنتقل من حال إلى آخر، تغادر مكانا وتقبل على آخر، تقترب من البضع وتفارق الكثير، تشعر أنك منسي لديهم لأنك بعدت، يضطرب وجدانك، تخاطب نفسك: استيقظي أيتها النفس من الغفلات، فكم عمرا سيوهب لك غير هذا العمر؟يرد صديقه متعجبا: ويحك! دوام حالك هذا من المحال، والتغيير هو الثابت الوحيد.
أكمل الحليم: تعلمت أن أحب شعور الوحدة وأن أتصالح معه، أتخيل يدي تسحبه من صدري وتضعه أمامي، هو بلا لون ولا شكل ولا صوت، هو فراغ، أحادثه عن ألمه وعن جرحه فلا يسمع، أترجاه أن يستريح بعيدا عن كياني فلا يستجيب، أصرخ فلا يلتفت، أهرب منه فيلاحقني، أحتضنه فيخنقني، أراه في الشارع الهادئ، ألحظه بين المارة ينظر إلي في صورة طفل يضحك لوالدته، وزوجة تمازح زوجها في القطار، يطرق سمعي مع كلمات صديق يحكي عن سهرة عائلته الدافئة.
أجابه الصديق: أفهم كم هو صعب ما تمر به، ربما لن أستطيع الشعور بكل ما ذكرته، فلن يشعر بك أحد مثلك أنت، إن من أسباب ذبول الروح وانعدام طعم الحياة الافتقار إلى لذة الأنس، لكن ليس صعبا ولا مستحيلا أن تساعد نفسك للخروج من هذا الشعور، وقد قال عبد الوهاب مطاوع: " الهم من أشد الأسلحة فتكا بالإنسان إذا انفرد به وحده، وافتقد المشاركة والعزاء" … أنا سعيد لأنك شاركتني هذه المشاعر ولم تدعها تكبتك.
املأ قلبك باليقين بالله، تيقن أنه لن يتركك وحدك، تيقن أنه يعلم بحالك ويصنعك لأفضل حال من نفسك، " وهو معكم أينما كنتم"، فمن فقد الله فماذا وجد؟ ومن وجد الله فماذا فقد؟ ثم اسعَ لمجاهدة هذا الشعور.
قال تعالى: {والذين جاهدوا فينا لنهدينَهم سبلنا}، والمجاهدة هنا أن تقاوم، أن تختار، ألا تستسلم لألم الوحدة.
لماذا تركز على شعورك بالوحدة؟ بدلا من أن تراه نقمة، دعنا ننظر إليه كحال يتسع للكثير من النعم! وقتك كله لك، كما ذكرت فعلا، اقسم هذا الوقت بين العبادة والتفكر والتدبر، ثم التخطيط لأهدافك في الحياة، وأيضا للعناية بجسدك ومظهرك.
الحياة مراحل، ربما تكون في مرحلة تسمح لك الآن بالتركيز الكامل على نفسك، لتزكيها وتربيها وتحسن إليها.
لكن من يدري كيف سيكون حالك في المستقبل، عندما يرزقك الله بزوج وأسرة في مرحلة أخرى من حياتك؟ سيتغير مقدار الوقت المتاح لك، وربما تتمناه أن يعود!لعل هذه الوحدة التي تشتكيها، هي خلوتك التي تصقل بها روحك، وتنمي بها ملكاتك، وتستعد بها لمرحلة قادمة من العطاء والبناءأتفهم أن ذهنك كثيرا ما يعلق بالتفكير في الوحدة التي تضخم الشعور بالحزن، عندما تبدأ هذه المشاعر في مطاردتك… حاول أن تستثمر وقتك بقراءة الكتب المحببة إليك، سواء كانت في علم النفس أو الفلسفة أو الأدب أو غير ذلك.
ستستوحي الكثير من الأعمال والمهام من خلال قراءة ما تحب، ثم ترتب مهامك بانتظام خلال اليوم، فلا يكون هناك متسع من الوقت للتفكير بحالة الوحدة.
شعور الفراغ المصاحب للوحدة مدمر لنفسك، حارب الفراغ وتطوع بعمل الخير للآخرين؛ ستكتشف أن لديك القدرة على العطاء حتى بوجود الحزن العميق والشعور بالتشتت، سيكون هذا مصدرا كبيرا لسعادتك؛ فأعلى درجات العطاء هي الإيثار، وقد قال تعالى في وصف المؤمنين: {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة}.
هناك العديد من الأشخاص الذين يشاركونك هذا الشغف، وسيرحبون بالعمل معك.
آخر وصيتي لك أن تردد بلسانك دوماً: " اللهم دبر أمري فإني لا أحسن التدبير، اللهم اختر لي ما تريد أنت"؛ ففي التسليم لله راحة، وفي الرضا بالقضاء سكينة، وفي حسن الظن بالله نور تطمئن به القلوب.
ولعل هذه الوحدة التي تشتكيها يا صديقي ويا عزيزي القارئ، على الرغم من انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، هي خلوتك التي تصقل بها روحك، وتنمي بها ملكاتك، وتستعد بها لمرحلة قادمة من العطاء والبناء.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك