تغلب أبو طه الدموع كلما ذكر ذلك اليوم الذي استفاق فيه أهالي مدينة خان شيخون بريف إدلب السورية، على غازات سامة تخنق أنفاسهم وتُخرج زبداً من أفواههم وتميتهم، في ثاني مشهد مأساوي شهدته سورية خلال سنوات الثورة التي لم تتوقف رغم كل الترهيب الذي مارسه نظام الأسد قبل إسقاطه في الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024.
لم تغب الذكرى التاسعة للمجزرة عن وجدان أهالي المدينة، الذين لا يزالون يستحضرون تفاصيلها القاسية، ومن بينهم أحد الشهود، ويدعى أبو طه، إذ يصف فجر الرابع من إبريل/ نيسان من عام 2017 بـ" الفجر الأسود".
ويضيف في حديث مع" العربي الجديد": " شهدت الكثير من الأيام الصعبة خلال سنوات الثورة ولكن كلها لا تُقارن أو تُقاس بذلك اليوم".
وبحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان فقد تسببت مجزرة الغاز الكيماوي في خان شيخون بقتل 91 مدنياً منهم 32 طفلاً و23 سيدة، قضوا خنقاً بالغازات السامة، إضافة إلى إصابة نحو 520 شخصاً بينهم 12 عنصراً من الدفاع المدني و6 ناشطين.
وتقع منطقة خان شيخون التي تشتهر بزراعة الفستق الحلبي، في ريف إدلب الجنوبي على الطريق الدولي الذي يربط العاصمة دمشق بمدينة حلب، وتبعد مسافة 70 كيلومتراً عن مدينة إدلب، و35 كيلومتراً عن حماة، و100 كيلومتر عن مدينة حلب.
وقصفت طائرتان من النظام البائد المدنيين النائمين في بيوتهم بغاز السارين، مرتكباً ثاني أكبر مجزرة بالأسلحة المحرمة دولياً، بعد مجزرة غوطة دمشق في منتصف عام 2013.
وروى ناجون من تلك المجزرة، أن أعراض اختناق وضيق تنفس، وتشنج في العضلات، أصابت المئات من الأهالي الذين قضى عدد كبير منهم بعد ذلك، مشيرين إلى خروج قيء سائل أبيض وزبد من الأفواه مع زرقة الشفاه.
وأكدت وزارة الصحة التركية في ذلك العام أن الغاز الذي استخدمه نظام الأسد في قصف خان شيخون هو غاز السارين، وذلك بعد تشريح مصابين أُسعفوا إلى تركيا وقضوا هناك.
هزّ ذلك الحدث العالم كله واستدعى غضباً أميركياً تجلى بقصف مطار الشعيرات الذي خرجت منه طائرتان نفذتا الهجوم على خان شيخون، بعدد من صواريخ" توماهوك".
وتعد مجزرة خان شيخون هي الثانية من حيث النتائج المأساوية على المدنيين بعد مجزرة الغوطة في ريف دمشق التي نفذها البائد في منتصف عام 2013 وقتل وأصيب فيها عشرات الآلاف.
وأكدت منظمة حظر الأسلحة الكيماوية في إبريل من عام 2017، أن نتائج الاختبارات التي قامت بها" أثبتت بشكل قطعي استخدام أسلحة كيماوية خلال الهجوم على خان شيخون".
" إنها ذكرى موجعة"، يقول محمد الحاج عن يوم الرابع من إبريل قبل تسع سنوات، مضيفاً في حديث مع" العربي الجديد": " كنا عاجزين في ذلك اليوم.
لا تستطيع فعل شيء لطفل يختنق بالغاز السام".
وقال بصوت مرتجف" حدث في مدينة خان شيخون منذ بدء الثورة كل شيء من اعتقالات وقصف جوي ومدفعي وصاروخي ونزوح، ولكن مجزرة غاز السارين هي الحدث الذي لا يُنسى.
لم نكن مصدقين ما حدث من هول الكارثة التي وقعت، ولكنه يسترجع حيويته عندما تحدث عن خان شيخون المدينة التي قاومت إجرام نظام الأسد بكل ما تملك"، مضيفاً" عادت الحياة مرة أخرى إلى خان شيخون وعاد أهلها لإعمارها من جديد.
إنها اليوم تنبض بالحياة".
وتابع: " ما يزيد الغصة والألم في هذا اليوم، أن الأسد الذي ارتكب كل المجازر في سورية نجا من العقاب".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك