حين تتأمل سيرة الأرشمندريت سيميون (ديميتريوس بابادوبولوس)، رئيس أساقفة سيناء وفاران ورائثو، ورئيس دير القديسة كاترين بجبل سيناء، تشعر أنك أمام شخصية خرجت من قلب الوادي المقدس؛ رجل تشكّل وعيه بين المخطوطات القديمة وصلوات الرهبان، فصار صوته امتداداً لسلامٍ يليق بمكانٍ ناجى فيه موسى ربّه وتجلّى فيه النور الإلهي.
ولم تكن تلك الروحانية مجرد كلمات، بل انعكست في حضوره الإنساني؛ وجهه بشوش، وملامحه هادئة، ونظرته تحمل وداً صادقاً لا تصنعه المناصب ولا تضيفه الألقاب، بل هو صفاء يشبه صفاء الصحراء التي عاش فيها طويلاً.
الأب سيميون: التعايش والمحبة سر صمود الدير عبر 1750 عامايأتي انتخابه رئيساً لدير القديسة كاترين بعد أكثر من خمسين عاماً دون انتخابات في هذا الدير العريق، ليكتب فصلاً جديداً في تاريخٍ مقدّس، حيث تلتقي الجغرافيا بالروحانيات، ويقف الإنسان أمام أحد أقدم مواطن الرهبنة في العالم، فخلال حديثه ينساب الهدوء كما تنساب أشعة قناديل الزيت في كنائس الدير العتيقة؛ كلمات متزنة، نابعة من قلب راهب يعرف أن القيادة مسؤولية قبل أن تكون منصباً، وأن الرسالة أكبر من الشخص حاملها.
يتحدث سيميون، في حواره مع «الوطن»، بروح الأب الراعي، وبحكمة الراهب الذي عاش سنوات طويلة في حضرة الصمت، فيذكِّر بأن جوهر هذا المكان هو السلام، وأن رسالته لا تتغير بتغيُّر العصور: محبة، وانفتاح، واحترام للإنسان مهما كان دينه أو لغته.
■ انتخابكم مؤخراً رئيساً لأساقفة سيناء يفتح فصلاً جديداً في تاريخ دير جبل سيناء، فكيف استقبلت اختيارك رئيساً لدير سانت كاترين بعد أكثر من 50 عاماً دون انتخابات؟أول إحساس جاء لي عقب اختياري رئيساً للأساقفة هو الشعور بالمسؤولية والأمانة التي وُضعت على عاتقي، فلا يمكن للإنسان أن يقول إن هذا الأمر كان سهلاً، بل هو صعب ومُشرِّف وكبير ومليء بالمسؤولية.
■ عند توليكم رئاسة الدير في سبتمبر الماضي، ما أول قرار اتخذتموه؟أول ما فكر فيه الإنسان هو أن يصلي إلى الله، وأن يسعى للحفاظ على الحياة الرهبانية كما كانت، الآن وفي المستقبل، ثم يأتي التفكير في الأمور العملية التي تضمن استمرار هذه الحياة، مع الحفاظ على العلاقات المتوازنة مع الجميع حتى يستطيع الدير استكمال مساره.
■ ما رؤيتكم لمستقبل دير سيناء؟إن الرؤية الشخصية لرئيس دير منتخب، ولا سيما لدير عريق كهذا ومركز رومانى أرثوذكسي يوناني، لا يمكن أن تكون إلا مواصلة الرسالة التي يبعثها منذ قرون، لا بطريقة ضيقة، بل بطريقة شاملة، أي مواصلة المثل الأعلى للرهبنة الأرثوذكسية في هذه المنطقة، والذي لا يقتصر وجوده على خمسة عشر قرناً كما يبدو بسبب بناء دير القديسة كاترين في القرن السادس، بل إن الحياة الرهبانية في سيناء بدأت في نهاية القرن الثاني، مع انتشار الرهبان وتمركزهم حول دير القديس فاتوس.
المسؤولية ثقيلة ورسالتنا نشر السلام في عالم مضطرب■ ما الرسائل التي يبعث بها الدير، وما الرسالة التي تقدمونها أنتم كرئيس أساقفة إلى العالم، خاصة في ظل الأحداث الراهنة؟الرسائل التي يقدّمها الدير اليوم ليست مرتبطة بشخصي، بل بقدسية المكان، وهي رسائل خالدة عبر الزمن، فهذا المكان هو موضع العهد القديم، وموضع تجلي الله، حيث كلّم الله النبي موسى في الوادي المقدس، وعلى الجبل المقدس الذي تسلّم فيه الوصايا العشر.
الرسالة الأساسية التي يطلبها الله من الإنسان، خاصة كما وردت في العهد القديم والجديد، هي أن يعيش الإنسان في سلام ومحبة.
وفي ظل المآسي والحروب التي نشهدها اليوم، فإن الرسالة الأهم هي الدعوة إلى السلام، ليس فقط السلام الخارجي بين الدول، بل السلام الداخلي داخل الإنسان نفسه فحتى في غياب الحروب الخارجية فإن الاضطراب الداخلي يمنع الإنسان من اختبار السلام الحقيقي، فخلاص الإنسان يتحقق عندما يجد الله، إله السلام، داخل قلبه.
■ يُعرف الدير بتاريخه الطويل في التعايش بين الأديان.
كيف تقيِّمون هذا الدور اليوم؟تلتقي الثلاثة أديان السماوية في هذا المكان، لأن العهد القديم مرتبط باليهودية كما أنه يمثل بداية للعهد الجديد يتكلم بالمسيح والمسيحية، المكتبات الداخلية للدير والكتب التي تضمها تتحدث عن أشخاص من ضمنهم النبي موسى والاهتمام بالإسلام والمسلمين في هذا المكان، لذلك يندهش الجميع من هذا المكان لاهتمام المسلمين بالصلاة في هذا الوادي المقدس.
■ دير سانت كاترين حافظ على استمراره قرابة 1750 عاماً.
ما سر هذا الصمود؟دير سانت كاترين صمد لما يقرب من 1750 عاماً من خلال تعزيز الحوار مع مختلف القوى السياسية والتعايش مع البدو المحليين.
■ كيف تصف العلاقة الحالية بين إدارة الدير والجهات المصرية؟علاقتنا تقوم على ما يوصي به الإنجيل، أي احترام السلطات كما قال الرسول بولس: «ِتَخْضَعْ كُلُّ نَفْسٍ لِلسَّلاَطِينِ الْفَائِقَةِ، لأَنَّهُ لَيْسَ سُلْطَانٌ إِلاَّ مِنَ اللهِ، وَالسَّلاَطِينُ الْكَائِنَةُ هِيَ مُرَتَّبَةٌ مِنَ اللهِ»، إذ كان متعلقاً على المسيحيين في ذلك الوقت أن كل إنسان يجب أن يخضع للحاكم، لكن إذا تعارضت أوامر السلطة مع وصايا الله، فهنا يرفض الإنسان ذلك داخلياً وبسلام، وهذا لا يحدث اليوم مع الدولة المصرية وحكومتها.
فقد تعلمنا على مر تاريخ الكنيسة في مختلف العصور من آبائنا أن نحترم القانون والحاكم، وإن ظهرت بعض الصعوبات نعمل في سلام ونصلي بمحبة لنصل إلى نتائج أفضل، فقد أمرنا المسيح أن نصلي لأجل أنفسنا ولأجل العالم كله.
وبشكل عام، نحن نعيش منذ سنوات طويلة في علاقة طيبة مع الدولة المصرية، قائمة على الاحترام المتبادل، ونسعى دائماً لحل أي مشكلات بالحوار والسلام.
مصر تحترم الحريات الدينية وتقدير الآخر والتعايش بين الأديان في سيناء نموذج فريد عبر التاريخ■ وكيف ترى مصر في عهد الرئيس السيسي، من حيث الحرية الدينية وحقوق المسيحيين؟نرى أن الدستور المصري ينص على احترام الحريات الدينية، كما نلمس في القيادة احتراماً وتقديرأ للآخر، وهذا ما يعزز وجودنا ويمنحنا الأمل.
■ ما تقييمكم لمشروع «التجلي الأعظم» وتأثيره على المنطقة؟الحياة الرهبانية القديمة للراهب السينائي كانت تقوم أساساً على الهدوء والعزلة، ولكن من ناحية أخرى لدينا مبدأ أنك إذ كنت تحب الآخر فعليك أن تضع نفسك في مكانه، ولذلك نعلم أن جبل سيناء يمثل كنزاً كبيراً للدولة المصرية، وهي تعمل على هذا المشروع لتنشيط السياحة في المكان، و«الدير لم ولن يكن ضد هذا المشروع» ولكن يجب أن يكون هناك اتفاق وخطوط حمراء بحيث يستطيع الرهبان استكمال حياتهم وعبادتهم، فالدير أبوابه مفتوحه للجميع في جميع الأوقات التي نعلن عنها.
نحن لا نرفض ذلك، لكن بشرط وجود ضوابط واضحة تضمن استمرار الحياة الرهبانية دون إزعاج، من خلال تنظيم الزيارات، فدير القديسة كاترين كان وما زال منارة للإيمان الأرثوذكسي ومكاناً يرحب بالجميع، من أرثوذكس ومسيحيين آخرين وغير مسيحيين على حد سواء.
■ ماذا عن السياحة وكيف تحافظون على المخطوطات والآثار الدينية الموجودة داخل الدير؟نسعى من خلال الحوار للحفاظ إلى التوازن بين حياة الرهبان في دير جبل سيناء واستضافة السائحين في إطار وجود ضوابط واضحة تضمن استمرار الحياة الرهبانية دون إزعاج، وهذا فيما يخص السياحة.
وأما عن مقتنيات الدير، فتضم مكتبة الدير واحدة من أهم المكتبات في العالم من حيث المخطوطات، وربما تأتي في المرتبة الثانية بعد مكتبة الفاتيكان، بل قد تكون الأولى من حيث القيمة، نظراً للحفاظ على مقتنياتها عبر العصور، وكذلك عدد المخطوطات، والأولى من حيث عدد الأيقونات.
كما يحتوي الدير على مجموعة نادرة من الأيقونات، بعضها يعود إلى القرن السادس الميلادي، وقد ساعد مناخ الدولة المصرية على مر العصور في الحفاظ عليها.
■ في ختام حورانا مع نيافتكم، ما الرسالة التي تود توجيهها لكل إنسان في هذا العالم في ظل ما نمر به حروب وصراعات وأزمات؟أتمنى من قلبي أن يسود سلام الله في قلوب جميع البشر، وخاصة القادة الذين بيدهم قرار الحرب، ولكن الأهم هو السلام الداخلي، لأن العدو الحقيقي للإنسان في داخله، وهو «الأنا» المريضة، فإذا تغلَّب الإنسان على هذا العدو، يزداد الحب والتفاهم، ويحل السلام الحقيقي، وهذا هو الدرس الذي يقدمه هذا المكان عبر العصور.
الدعوة إلى السلاممن الواضح وضوح الشمس أن الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية لا يمكنها أن تتخلى عن الدعوة إلى السلام.
الأرثوذكسية اليونانية، الروح اليونانية، لا تكف عن المحبة، لذا فإن راهب سيناء منفتح على الجميع، لا يخشى التنوع، دون أن يعني ذلك تبنيه منظومة قيم الآخر، ومع ذلك، فهو يحترمه.
في ظل المناخ الذي وصفته، للأرثوذكسية اليونانية الكثير لتقوله، وكذلك سيناء، التي تقع في هذا المكان تحديداً، بمجرد دخولك ورؤية برج الجرس والمئذنة معاً يتضح لك الكثير، وهذا ليس توفيقاً دينياً.
لم يحِد السينائي قط عن إيمانه، عن منظومة قيمه، الأرثوذكسية اليونانية، لكنه عرف كيف يحترم الآخر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك