منذ انتهاء المواجهات الأخيرة، تتجه الأنظار نحو مرحلة إعادة الإعمار في قطاع غزة، حيث إزالة الأنقاض المهمة الأصعب في إعمار غزة وإعادة البنية التحتية للقطاع واستعادة الوضع الاجتماعي إلى أفضل مما كان عليه قبل الحرب.
ووفقاً لتقييمات الأقمار الصناعية التابعة للأمم المتحدة، فحوالي 81% من المباني في قطاع غزة تعرضت للدمار أو الضرر بنهاية العام المنصرم 2025، بما يشمل مباني مدمرة كلياً أو متضررة بشكل كبير، ومن هذه المباني أكثر من 123 ألف مبنى دمر بالكامل، كما تضرر نحو 50 ألف مبنى بشكل شديد أو متوسط، وهذه النسبة تمثل الغالبية العظمى من البنية العمرانية في القطاع، بما في ذلك المساكن والمرافق العامة، ومن المتوقع أن يتجاوز حجم الأنقاض نحو 60 مليون طن، وقد تستغرق إزالتها أكثر من 7 سنوات.
تقارير الأمم المتحدة المستمرة عبر «أوتشا» تشير إلى أن عمليات النزوح ما زالت مستمرة مع هشاشة ملحوظة في أماكن الإيواء؛ خيام، مدارس، مراكز طوارئ بسبب التدمير الواسع للمساكن، ووصل عدد النازحين إلى نحو 1.
2 مليون شخص، والذين يعيشون بلا مأوى.
بدوره، قال البروفيسور ياسر الششتاوي، أستاذ الهندسة المعمارية والتخطيط والحفاظ على التراث بجامعة كولومبيا، والزميل بمعهد دول الخليج العربية بواشنطن، إن إعادة بناء المنازل والطرق تمثل أولوية مطلقة، باعتبارها الأساس الأدنى لعودة الحياة اليومية، لكنه يشدد في الوقت ذاته على أن هذه العملية لا يمكن أن تكون تقنية فقط.
البنية التحتية لا تبنى بالأسمنت فقطوأكد «الششتاوي» لـ«الوطن» إن البنية التحتية لا تُبنى فقط بالأسمنت، بل بعملية تشاركية من القاعدة إلى القمة، يكون فيها السكان جزءاً من اتخاذ القرار، داعياً إلى تشكيل مجموعات مجتمعية محلية تضم سكان غزة أنفسهم، تكون هي الجهة الوحيدة المخوّلة بتحديد ما يُبنى ومتى وأين، مضيفاً: «القرار العمراني يجب أن يكون في يد من يعيش في المكان، لا من يستثمر فيه من الخارج».
وعن أكثر مشروعات البنية التحتية إلحاحاً، يرى «الششتاوي» أن السكن اللائق يتصدر القائمة بلا منازع، فالأولوية، بحسب تعبيره، هي توفير مساكن مناسبة، كريمة، وإنسانية تُنهي حياة المخيمات المؤقتة التي يعيش فيها السكان حالياً، مضيفاً: «يجب أن يترافق مع إعادة بناء شبكة طرق فعالة، ونظام نقل عام، وإعادة إعمار المستشفيات».
الإسكان المؤقت.
أزمة وليست حلًاوفيما يتعلق بنماذج الإسكان المؤقت أو المجمعات الجاهزة، يرى «الششتاوي» أنها غير مناسبة في السياق الغزي على المدى الطويل، لكنه يشير إلى أنها قد تكون حلاً اضطرارياً قصير الأجل، لكنه يصفها بالشر الضروري الذي كثيراً ما يتحول إلى واقع دائم.
ويستشهد بتجارب مدن مثل بيروت وعمّان، حيث تحولت الحلول المؤقتة إلى مخيمات ممتدة وأحياء هامشية تفتقر إلى الحد الأدنى من الكرامة العمرانية.
وبشأن أكبر خطأ يجب تجنبه عند إعادة بناء الأحياء المدمرة، يحذّر «الششتاوي» من تحويلها إلى مجمعات سكنية فاخرة للأغنياء، معتبراً أن هذا النموذج لا يدمر النسيج الاجتماعي فقط، بل يُقصي السكان الأصليين ويعيد إنتاج الظلم بشكل عمراني.
أما المخاطر المترتبة على تنفيذ مشروعات بنية تحتية كبرى دون سيطرة فلسطينية حقيقية على إدارتها وتشغيلها، فيراها «الششتاوي» شديدة الخطورة، إذ يعني ذلك، بحسب قوله، أن مصير غزة سيصبح مرهوناً بعدد محدود من المستثمرين الأثرياء، محذراً من أن يتحول القطاع إلى مساحة لتبييض الأموال، على غرار نماذج قائمة في بعض دول العالم العربي وأمريكا اللاتينية.
لماذا تفشل خطط إعادة إعمار غزة؟وعن أسباب فشل مشروعات إعادة الإعمار عادة، يقلل من دور نقص التمويل، معتبراً أن سوء الإدارة وغياب الإرادة السياسية هما العاملان الحاسمان: «أي عملية إعادة إعمار لا تضمن أن يكون التطوير موجهاً لخدمة الناس، لا خدمة المال والقلة، ستنتهي حتماً إلى الفشل، مهما ضُخّ فيها من أموال».
حذر «الششتاوي» من اختزال إعادة الإعمار في مشروعات أسمنتية منفصلة عن السياق الاجتماعي والسياسي، معتبراً أن أي مقاربة لا تنطلق من احتياجات السكان أنفسهم محكوم عليها بالهشاشة والفشل.
وعند سؤاله عن أول قرار سيتخذه إذا أُسندت إليه مهمة الإشراف على إعادة الإعمار ميدانياً، يجيب «الششتاوي» دون تردد قائلاً: «إلغاء الخطة الأمريكية الإسرائيلية لإعادة الإعمار»، كما يصف هذه الخطة بأنها تُعيد تعريف غزة باعتبارها منطقة استثمار مفتوحة للأثرياء والشركات الكبرى، لا مكاناً لحياة مجتمع محاصر، كما يشدد على رفضه القاطع لإدخال أي حديث عن مناطق استثمار في هذه المرحلة، مؤكداً أن مثل هذه المشروعات يمكن بحثها لاحقاً، وفقط إذا جاءت بقرار من الفلسطينيين أنفسهم، لا بفرض من مستثمرين، خصوصاً من خارج غزة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك