ارتبط الفنّان المغربي محمد الصغير بالخشبة لأكثر من ثلاثة عقودٍ، غير أن اسمه لم يسطع بقوة في الساحة الفنية إلّا في السنوات الأخيرة من خلال أدواره التمثيلية في المسلسلات التلفزيونية والأفلام السينمائية ذات الطابع الدرامي.
هل نُعيب على المسرح الذي لا يُحسن الأخذ بيد أبنائه الذين ماتوا تباعا، وماتت معهم مواهبهم، من دون أن نتعرّف عليهم؟ أم أنّ الأمر يتعلّق بسطوة الشاشة ولمعان الصورة في الوقت الراهن؟ وهي الإشارة التي التقطها بنباهة الفنان الصغير وآخرون من الممثلين المسرحيين العرب، فحطوا الرحال في التلفزيون في هجرة جماعية أشبه بهجرة شعراء قصيدة النثر إلى مجرّة الرواية.
مع الفنان محمد الصغير، تصحّ مقولة «العمر مجرّد أرقام»، فعلى الرغم من تجاوزه السبعين (مواليد 1954)، ونتمنى له دوام الصحة، إلا أنه ما زال يحتفظ برشاقة شابٍ في مقتبل العمر؛ هكذا بسروال جينز وحذاء رياضي، بقامة فارعة وشعرٍ كثّ منسدل على الكتفين، بابتسامةٍ كاملة وأناقة فنّان داخل النص وخارجه.
كأنه لم يغادر الطفل الذي كانه؛ حيث ولد في القرية وسط عائلة محافظة من ملاكي الأراضي، وعاش سنواته الأولى بجوار الحقول قبل أن تقرر الأسرة الصغيرة النزوح إلى المدينة، حيث وجد الطفل محمد ضالته في كرة اليد وشارك في الألعاب المدرسية، وأوشك على الالتحاق بفريق المدينة، لولا أن حوّل شغفه إلى المسرح، وأبان عن موهبته الكبيرة على الركح منذ المرحلة الثانوية، وشارك في المسرحيات المدرسية، ونال إعجاب ودعم أساتذته، بمن فيهم عبد الكريم برشيد أحد روّاد الكتابة المسرحية في المغرب.
تصادف في تلك الفترة أن مجموعة من شباب المدينة اجتمعوا في الكنيسة الموجودة وسط الغابة المجاورة للثانوية، فأسّسوا «جمعية الجرس والموسيقى» مستلهمين الاسم من جرس الكنيسة، التي بناها المستعمر الفرنسي لرعاياه.
ولأن أغلب الأعضاء والمنخرطين كانوا من المشتغلين في المسرح، فقد انصبّ الاهتمام على هذا الأخير، دون الموسيقى.
وكان الشّاب محمد من الأوائل الذين التحقوا بهذه الجمعية، التي شكّلت منعطفا حقيقيا في مسيرته الفنية، وقاد ثورة مسرحية رفقة عبد الكريم برشيد وشوقي الحمداني والعربي سلام وعبد الحق التمسماني وآخرين.
بل اكتسبت الجمعية سمعة جيّدة على الصعيد الوطني في ظرف وجيز، اعتبارا لدينامية أنشطتها، وبالنظر إلى أفرادها الذي يجمعون ما بين الكتابة الدراماتورجية والإخراج والتمثيل والنقد المسرحي.
في الحقيقة، أنّ التأريخ لمسرح الهواة في المغرب لا بدّ أن يعود إلى أوراق وأرشيف هذه الجمعيات، وإلى شهادات الأسماء التي ناضلت في الظل، في وقت انعدمت فيه شروط الممارسة الفنية في مجتمع يرفع شعار «الخبز أولا والفن ثانيا».
تخرّج محمد الصغير في جامعة سيدي بن عبد الله في فاس، متشربا سحر اللغة الإنكليزية وثقافتها، ليلتحق بالتدريس في السلك الابتدائي مطلع الثمانينيات.
وبالتوازي، كّرس وقته للتمثيل المسرحي، حيث شارك في أعمال مسرحية رائدة لعبد الكريم برشيد (مثل «امرؤ القيس في باريس»، «منديل الأمان» و»شطحات جحجوح»)، وأعمال الراحل سعيد سمعلي («الفينق»، «ظرف مؤقت»، «المشروع») وغيرها من النصوص التي عكست المناخ العام الذي ساد المغرب خلال تلك الفترة، واتّسم بالتضييق على الحريات وملاحقة المعارضة والتنظيمات السرية.
وما رافق ذلك من انتفاضة الخبز في الدار البيضاء (1981) ومظاهرات 1984 احتجاجا على غلاء الأسعار وتآكل القدرة الشرائية للمواطن.
في ظل أجواء الاحتقان السياسي، تحوّلت الخشبة إلى برلمان شعبي يعرّي الواقع الاجتماعي.
وإلى منصّة نقدية حارقة، وصوتِ المقهورين، الذين وجدوا متنفسا في رمزية المسرح.
ولم تكن هذه العروض المسرحية في منأى عن جراح الوطن الكبير وهموم الإنسان العربي المعاصر، خصوصا القضية الفلسطينية التي صارت جزءا من الخطاب الدرامي العربي (مسرحية «الزاوية» لعبد الكريم برشيد، على سبيل المثال).
وحدث مرّة، في دولة عربية مجاورة، أن جسّد محمد الصغير دور مناضلٍ سياسي فلسطيني يتعرض للتعذيب بالكرسيّ الكهربائي في مخفر الشرطة، فكان جسده الرشيق ينتفض ألماً مع صعقات الكهرباء المتوالية، وسط صمت الجمهور وبكاء عجوز تقتعد كرسيا في الصف الأمامي.
وما أن انتهى العرض حتى صعدت العجوز إلى الخشبة بلهفةٍ، فاحتضنته بين ذراعيها وهي تمسح عرقه بمنديل رأسها؛ فلم يكن ذلك بالنسبة لها مشهدا في مسرحية، بل كان استعادةً طبق الأصل لابنها الذي مات تحت التعذيب بالطريقة نفسها.
أليست مهمة المسرح الحقيقية هي حمل المتفرج على التضامن مع الشخصية وتذويب المسافة بين الواقع والمتخيل؟إنّها التجربة المسرحية الثرية التي ساعدت محمد الصغير في العبور سريعا إلى الشاشة، حيث استطاع تطويع موهبته في أدوارٍ متنوعة ضمن مسلسلات وأفلام سينمائية ناطقة بالأمازيغية وبالعربيّة، مبرهنا على قدرة لافتة في التلون الدرامي وتجاوز الحواجز اللغوية.
لاسيّما في الأعمال التي تنهض على الهوية وتحفر في التاريخ والتراث المغربي، وتُجسد عمق الماضي الحضاري («ملوك الطوائف»، «جراح الماضي»، «الواد المسكون».
) فضلًا عن الأعمال التي تستثمر الحكاية الشعبية وتجمع بين الحقيقة والخيال، والتي لقيت استحسان المشاهد العربي («رمانة وبرطال»، «المنديل الأحمر»…).
نال الفنان الصغير العديد من الجوائز عن أدواره التمثيلية في الأعمال المسرحية والتلفزيونية، وحظي بحفل التكريم في أكثر من مناسبة فنيّة تقديرا لمسيرته.
ولمؤهلاته الفنية التي تتمثل في بحّة صوته، واتقانه للغات؛ إذ يتحدث الأمازيغية كأنه لم يغادر البادية أبدا.
ويتحدث العربية الفصحى بطلاقة وانسيابية أهل الشام.
وفي قدرته على التفاعل مع الأدوار وتقمص انفعالات وطموحات الشخصية والتفاصيل الصغيرة.
وفي الانتصار للقضايا الخاسرة، ولمقولة «الفن من أجل المجتمع».
اللافت أن الإعلام الفني ما زال متلكئا في التعامل ومسايرة منتوج الدراما المغربية بكل مكوّناتها، ما يفوت على المتلقي التعرف على الكثير من الأعمال الجادة التي تنتصر للتاريخ والهوية المغربية في تعدد روافدها.
وتتفاعل مع هموم ومشاغل شعوب المنطقة وتطلعات الإنسان المعاصر.
خصوصا في زمن تغيّرت فيه آليات التعاطي الثقافي ومنصات التداول الفني، واشتدت فيه الحاجة للتعريف بأسماء ملتزمة من طينة محمد الصغير.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك