في لحظة لبنانية شديدة الحساسية، حيث تتقاطع الحرب مع الانهيار الداخلي، ويكافح ما تبقّى من مؤسسات الدولة للحفاظ على الحد الأدنى من التماسك، يخرج نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ علي الخطيب بخطاب لا يعبّر عن موقعه بقدر ما يعكس انخراطًا كاملاً في سردية “حزب الله” ومحوره الإقليمي.
خطابٌ لا يكتفي بتأييد خيار “المقاومة”، بل يتجاوز ذلك إلى تقويض موقع الدولة ورئيس الجمهورية، في انزلاق خطير لا يليق بموقع ديني يفترض به أن يكون جامعًا لا طرفًا.
انحياز سياسي مفضوح تحت عباءة دينيةما صدر عن الشيخ الخطيب في ردّه على خطاب رئيس الجمهورية جزاف عون بمناسبة عيد الفصح أمس، لا يمكن قراءته كموقف عابر أو تعبير عن رأي شخصي.
الرجل يشغل موقعًا رسميًا في أعلى مرجعية دينية شيعية في لبنان، ما يفرض عليه حدًا أدنى من التوازن والرصانة.
إلا أن تصريحاته الأخيرة كشفت انحيازًا صارخًا لمحور “حزب الله” – إيران، على حساب الدولة اللبنانية نفسها.
وفيما يواجه رئيس الجمهورية انتقادات بسبب مهادنته لحزب الله الذي تمرد على الدولة وعصى أمرها وسرق منها قرار السلم والحرب، بدعوى ان الرئيس ساهم في تمييع تنفيذ قرار ٥ اب الحكومي الذي اقرّ حصر السلاح بيد الدولة، كرمى لعيون الحزب، ونسّق مع الرئيس نبيه بري، وقائد الجيش في التلكؤ عن تطبيق القرار 1701، يأتي هجوم الخطيب على منصب رئاسة الجمهورية، كمكافأة غير عادلة للاسلوب الدبلوماسي السلمي الذي يحاول الرئيس استخدامه من اجل حلّ أزمة اشتباك صلاحيات الدولة مع قوة حزب الله.
قلبٌ للمعايير: الاستسلام سيادة والمقاومة احتكاريذهب الخطيب أبعد من ذلك، حين يطرح معادلة مقلوبة بقوله ان من لا يتبنى خيار “المقاومة” وفق تعريف “حزب الله” هو مستسلم، ومن يسعى إلى مقاربة مختلفة للصراع هو فاقد للكرامة.
هذه الثنائية الإقصائية تعكس ذهنية أحادية لا تعترف بتعدد الخيارات داخل الدولة، ولا بمفهوم السيادة الذي يفترض احتكار القرار العسكري بيد المؤسسات الشرعية.
فهل أصبحت الدولة، بكل مؤسساتها، مجرد وجهة نظر؟ وهل تحوّل النقاش حول الحرب والسلم إلى تهمة أخلاقية بدل أن يكون نقاشًا سياديًا مشروعًا؟تجاهل فاضح لكلفة “المقاومة”يتحدث الخطيب عن “انتصارات” و”هزيمة مدوية” للعدو، متجاهلاً واقعًا ميدانيًا مختلفًا: قرى مدمرة، آلاف النازحين، واقتصاد يترنح على حافة الانهيار الكامل.
هذا الخطاب التعبوي، الذي يتغذى على الشعارات، ينفصل كليًا عن واقع معاناة اللبنانيين اليومية.
الأخطر أنه يختزل الوطن بمشروع عسكري، ويختصر كرامة الناس بخيارات لا يشاركون في اتخاذها.
فهل الكرامة تُقاس بعدد الصواريخ، أم بقدرة الدولة على حماية شعبها وتأمين حياة كريمة له؟في معرض دفاعه عن “المقاومة”، يلجأ الخطيب إلى تخوين خصومها واتهامهم بالفشل والجحود وتضليل الرأي العام.
هذا الأسلوب، المألوف في أدبيات الأنظمة الشمولية، لا يمتّ بصلة إلى الخطاب الديني الأخلاقي، ولا إلى موقع يفترض به أن يدعو إلى التهدئة ومنع الفتنة.
فبدل أن يكون صوتًا للحكمة، يتحول إلى طرف في الانقسام، يعمّق الشرخ الداخلي ويشرعن إقصاء كل رأي مخالف.
سقوط موقع… لا مجرد زلّة خطابما قاله الشيخ علي الخطيب ليس زلة لسان، بل تعبير واضح عن تموضع سياسي، تموضع يطرح سؤالًا جوهريًا: هل ما زال المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى مؤسسة جامعة، أم أنه بات جزءًا من محور سياسي محدد؟إن أخطر ما في هذا الخطاب ليس مضمونه فحسب، بل صدوره عن موقع يفترض به أن يكون فوق الاصطفافات.
وحين يسقط هذا الحياد، تسقط معه ثقة شريحة واسعة من اللبنانيين بمؤسسات يفترض أنها تمثلهم جميعًا.
بين الدولة والمحور: أي خيار؟لبنان اليوم أمام مفترق حاسم: إما دولة تحتكم إلى مؤسساتها وقرارها السيادي، أو ساحة مفتوحة لمحاور إقليمية.
وفي هذا السياق، يصبح خطاب الشيخ الخطيب جزءًا من المشكلة لا من الحل، لأنه يكرّس منطق الدويلة على حساب الدولة، ويشرعن هيمنة السلاح خارج الشرعية.
الكرامة الوطنية لا تُبنى بالشعارات، ولا بالانخراط في مشاريع الآخرين، بل بإعادة الاعتبار للدولة، واحترام عقول اللبنانيين، والاعتراف بأن الوطن يتسع لأكثر من رأي… لا لرأي واحد مفروض بقوة السلاح أو بسلطة المنبر.
في الخلاصة، ما قاله الشيخ علي الخطيب لا يعكس فقط انحيازًا سياسيًا، بل يكشف أزمة أعمق: أزمة دور، وأزمة خطاب، وأزمة التزام بمفهوم الدولة.
وهي أزمة لا يمكن تجاهلها إذا كان ثمة أمل بإنقاذ ما تبقّى من لبنان.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك