لم تعد الأزمة الاقتصادية في إيران مجرد مسألة أرقام تتعلق بسعر الدولار أو معدل التضخم أو تراجع القدرة الشرائية.
ما تكشفه الزيادة الجديدة في تكاليف الدفن والخدمات الجنائزية في مقبرة بهشت زهراء بطهران هو أن الانهيار الاقتصادي بلغ مرحلة يلاحق فيها المواطن الإيراني حتى في أكثر لحظات الحياة حزناً وعجزاً: لحظة دفن أحبائه.
فحين ترتفع تكاليف نقل الجثامين، والغسل، والتكفين، وحفر القبور، ومراسم الدفن بنسبة متوسطة تقارب 40 في المئة، وتصل بعض الخدمات الطارئة إلى زيادة تقارب 50 في المئة، فإننا لا نكون أمام تعديل بلدي عادي، بل أمام مرآة قاسية لواقع بلد فقدت فيه السلطة القدرة على حماية الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية.
تكمن خطورة هذا المؤشر في أنه يتعلق بخدمة لا يستطيع المواطن تأجيلها أو الاستغناء عنها.
فالعائلة التي يمكن أن تؤجل شراء سلعة، أو تقلل استهلاك الطعام، أو تتخلى عن علاج، لا تستطيع تأجيل دفن ميت.
ولذلك تتحول تكاليف الجنازة إلى عبء قاهر يُفرض على الأسر في لحظة الحزن، لتضيف السلطة إلى الفقدان العاطفي صدمة مالية قاسية.
هذا هو المعنى الحقيقي لانهيار الاقتصاد: أن يصبح الموت نفسه خاضعاً لفاتورة لا تقدر عليها عائلات كثيرة.
لكن أزمة المقابر ليست معزولة عن المشهد العام.
فهي تأتي في وقت يتآكل فيه دخل المواطن بفعل التضخم، وتتراجع فيه المبيعات في الأسواق، وتغلق مطاعم ومحال تجارية أبوابها، وتلجأ مؤسسات إلى تسريح العمال بسبب الركود وانهيار القدرة الشرائية.
وهذا يعني أن الاقتصاد لم يعد يعاني من أزمة قطاعية، بل من اصطدام شامل بين كلفة الحياة ودخل الناس.
المواطن الإيراني اليوم لا يواجه غلاء الطعام والسكن والدواء والنقل والتعليم فقط، بل يواجه أيضاً غلاء الموت.
الجذر السياسي لهذه الأزمة واضح.
فالمشكلة ليست في نقص الموارد وحده، بل في طبيعة نظام جعل أولوياته القمع، والحروب، والمغامرات الإقليمية، والبرنامج النووي، وتمويل الأجهزة الأمنية، بدلاً من حماية معيشة الناس.
لقد حوّل نظام ولاية الفقيه الاقتصاد إلى أداة بقاء للسلطة، لا إلى وسيلة لخدمة المجتمع.
ومن هنا، فإن كل موجة تضخم جديدة ليست حادثاً اقتصادياً منفصلاً، بل نتيجة مباشرة لفساد منظم، وهيمنة الحرس الثوري على مفاصل الاقتصاد، وسوء إدارة مزمن، وعزلة دولية صنعها النظام بسياساته العدوانية.
الأكثر دلالة أن هذه الأزمة تتزامن مع حرب داخلية حول الإنترنت، وحجب رقمي طويل، وخوف معلن من عودة الاحتجاجات.
فالسلطة التي تقطع الإنترنت وتراقب المجتمع وتخشى الشارع، تعرف أن الضغط المعيشي لم يعد قابلاً للاحتواء بالدعاية.
وإذا كان المواطن قد وصل إلى مرحلة يعجز فيها عن تأمين تكاليف الحياة وتكاليف الموت، فإن السؤال لم يعد اقتصادياً فقط، بل سياسياً: كم يستطيع مجتمع منهك أن يتحمل قبل أن يتحول الألم اليومي إلى انفجار جماعي؟إن ارتفاع رسوم الدفن في بهشت زهراء يختصر حقيقة إيران اليوم: شعب يلاحقه التضخم في بيته، وسوقه، ومستشفاه، ومدرسته، وحتى عند قبره.
إنها صورة لنظام لم يترك للمواطن لا حياة كريمة ولا موتاً كريماً.
لذلك فإن معالجة الأزمة لا يمكن أن تأتي من قرارات بلدية أو وعود حكومية، بل من تغيير جذري في بنية السلطة التي أنتجت هذا الفقر.
فاقتصاد يُدار لخدمة القمع والحروب لا يمكن أن يمنح الشعب الخبز والكرامة.
والطريق إلى إنقاذ معيشة الإيرانيين يبدأ من إنهاء نظام حوّل البلاد إلى ساحة نهب، وحوّل الإنسان الإيراني إلى ضحية من المهد إلى اللحد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك