كانت كذبة رواها مهندس كيميائي عراقي يبحث عن لجوء، تبنّاها جنرال يبحث عن مبرر للحرب، ونشرتها صحيفة تبحث عن سبق صحفي، فنتج عنها أن بلدا بأكمله سُحق أمام عيون العالم، ومئات الآلاف من الضحايا سقطوا.
هذا ليس ملخصا لرواية خيالية، بل هو ما جرى فعلا في العراق، والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل تتكرر الدورة ذاتها مع إيران؟تناولت حلقة (2026/4/6) من برنامج" في ظلال الحرب" وهذا رابطها، هذه العلاقة المركَّبة بين الصحافة والحرب من زاوية نادرا ما تُطرح، ليس الكذب السياسي بوصفه ظاهرة مألوفة، بل الصحافة التي تتحول من حارسة للحقيقة إلى ممر رسائل للسلطة دون أن تدرك أحيانا حجم ما تسهم فيه.
ووفقا لوثائق لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ الأمريكي عام 2004، فإن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي إيه) لم تقابل المهندس رافد علوان ولو مرة واحدة، وهو الرجل الذي بنى وزير الخارجية الأمريكي الأسبق كولن باول على شهادته حجته الكاملة أمام مجلس الأمن الدولي.
وبحسب وثائقي هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) لاحقا، فإن علوان لفق كل شيء من الرسوم إلى النماذج إلى روايات المختبرات البيولوجية المتنقلة، دون أن يكون لأي منها أصل في الواقع.
وفي الاتجاه نفسه، سلَّط البرنامج الضوء على الحلقة المغلقة التي أدارتها إدارة جورج دبليو بوش مع الصحافة، إذ كانت مصادر حكومية تسرّب قصصا للصحفية جوديث ميلر في صحيفة نيويورك تايمز، ثم تعود الحكومة لتستشهد بما نشرته الصحيفة وكأنه حقيقة مستقلة.
وكان رجل الأعمال العراقي أحمد الجلبي المحرك الرئيسي لهذه الشبكة، إذ وثقت صحيفة الغارديان البريطانية عام 2004 مراسلات داخلية لميلر تقر فيها بأن الجلبي زوَّدها بمعظم قصصها الحصرية عن العراق.
وفي السياق ذاته، أشار البرنامج إلى أن علماء وزارة الطاقة الأمريكية والوكالة الدولية للطاقة الذرية أكدوا جميعا أن أنابيب الألومنيوم التي صادرتها الاستخبارات الأمريكية عام 2001 لا تصلح لتخصيب اليورانيوم، لكنَّ هذه الاستنتاجات العلمية لم تجد طريقها إلى العناوين الكبرى.
وفي مايو/أيار 2004، نشرت صحيفة نيويورك تايمز اعتذارا نادرا عن تغطيتها للعراق، لكنَّ هذا الاعتذار جاء متأخرا فوق أنقاض بلد دُمّر.
ووثق البرنامج أن هذا النمط لم ينتهِ بسقوط بغداد، ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2024، تضمَّن تقرير لموقع أكسيوس الإخباري الأمريكي ادعاء بأن ضربة إسرائيلية دمّرت مركزا سريا للأبحاث النووية داخل منشأة بارشين الإيرانية.
وجاء رد مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي صريحا بأن الوكالة لا تملك أي معلومات تؤكد وجود مواد نووية في الموقع، وأنها لا تَعُده منشأة نووية أصلا، لكنَّ التقرير كان قد انتشر وأدى وظيفته في تقديم الضربة وكأنها استهداف لبنية نووية خطرة.
وعلى المنوال ذاته، رصد البرنامج نموذجا أحدث، ففي الرابع من مارس/آذار 2026، تضمَّن تقرير للصحفي باراك رافيد ادعاء بهجوم بري كردي على إيران، انتشر على نطاق واسع قبل أن تنفيه حكومة إقليم كردستان العراق بوضوح قاطع، واضطر رافيد إلى حذف تغريدته وتعديل تقريره مع الإقرار بوجود" تقارير متضاربة".
وتكشف هذه النماذج المتراكمة عن نمط موثَّق، إذ تُظهر أرقام منظمة الدقة والمساءلة في الإعلام أن الأصوات المؤيدة للحرب ظهرت في الأسابيع التي أعقبت غزو العراق ست مرات أكثر من الأصوات المعارضة.
ويبقى السؤال الجوهري الذي يطرحه البرنامج دون إجابة شافية: هل وسائل الإعلام حارسة للشك في مواجهة السلطة، أم ممرات للرسائل تجهّز المسرح قبل أن يُسقط الجيش الستار؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك