طرابلس – «القدس العربي»: تتواصل حوادث غرق قوارب المهاجرين قبالة السواحل الليبية، في مشهد يعكس استمرار المخاطر المرتبطة بطريق الهجرة غير النظامية عبر البحر المتوسط، وذلك بعد فقدان عشرات الأشخاص إثر انقلاب قارب كان يقلهم في عرض البحر أثناء محاولتهم الوصول إلى أوروبا، في حادثة أعادت إلى الواجهة مجددًا خطورة هذا المسار البحري الذي يُعد من أخطر طرق الهجرة في العالم.
وذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن ما لا يقل عن سبعين مهاجرًا فُقدوا بعد غرق قارب كان يقلهم قبالة السواحل الليبية أثناء محاولتهم عبور البحر المتوسط نحو أوروبا، استنادًا إلى إفادات ناجين جرى إنقاذهم ونقلهم إلى جزيرة لامبيدوزا الإيطالية.
وأفادت المنظمة الدولية للهجرة والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين بأن فرق الإنقاذ تمكنت من إنقاذ اثنين وثلاثين شخصًا بينهم قاصر، فيما لا يزال مصير عشرات الركاب الآخرين مجهولًا حتى الآن، وسط تقديرات بأن القارب كان يحمل أكثر من مئة مهاجر عند انطلاقه من الساحل الليبي.
وحسب المعلومات التي نقلتها الصحيفة عن الناجين، فإن القارب غادر ميناء تاجوراء شرق العاصمة طرابلس خلال ساعات الليل بين الجمعة وصباح السبت، قبل أن يواجه ظروفًا جوية صعبة في عرض البحر مع ارتفاع الأمواج وسوء الأحوال الجوية، ما أدى إلى تسرب المياه إلى القارب وانقلابه بعد ساعات قليلة من الإبحار بينما كان لا يزال داخل المياه الليبية.
وأوضحت شهادات الناجين أن القارب كان مكتظًا بالمهاجرين الذين ينحدرون من جنسيات أفريقية مختلفة، وأن كثيرًا منهم لم يكونوا يرتدون سترات نجاة أو يمتلكون أي وسائل أمان بحرية، وهو ما جعل الحادث يتحول بسرعة إلى مأساة إنسانية بعد انقلاب القارب في عرض البحر.
وفي السياق ذاته، أكدت منظمة «سي ووتش» غير الحكومية أن طائرة استطلاع تابعة لها رصدت القارب المنكوب في وسط البحر المتوسط، حيث عُثر على قارب خشبي مقلوب وعلى متنه أشخاص متشبثون به بينما كان آخرون في المياه، إضافة إلى مشاهدة جثث طافية قرب موقع الحادث.
وقال متحدث باسم خفر السواحل الإيطالي إن عمليات الإنقاذ جرت بتنسيق بين السلطات الإيطالية والجانب الليبي، وبمشاركة سفينتين تجاريتين كانتا قريبتين من موقع الحادث، حيث تمكنت الفرق المشاركة من إنقاذ عدد من الركاب ونقلهم إلى جزيرة لامبيدوزا الإيطالية، إضافة إلى انتشال جثتين من المياه.
وأشار مسؤولون أمميون إلى أن العدد الحقيقي للمفقودين لا يزال بحاجة إلى تحقق دقيق، في ظل تضارب التقديرات بشأن عدد الركاب الذين كانوا على متن القارب، حيث قد يصل العدد الإجمالي إلى نحو مئة وعشرين شخصًا، ما يجعل هذه الحادثة من بين أكثر حوادث الهجرة دموية في البحر المتوسط خلال الأشهر الأخيرة.
وفي السياق ذاته، ذكرت وكالة رويترز أن واحدًا وسبعين مهاجرًا يُعتقد أنهم فُقدوا في الحادث نفسه، مؤكدة أن عمليات الإنقاذ التي نفذتها سفينتان تجاريتان أسفرت عن إنقاذ اثنين وثلاثين شخصًا وانتشال جثتين بالقرب من السواحل الإيطالية.
وتأتي هذه الحادثة بعد أسابيع فقط من حادثة مشابهة شهدتها السواحل الليبية في السادس من فبراير الماضي، عندما انقلب قارب مطاطي كان يحمل مهاجرين قبالة الساحل الشمالي لمدينة زوارة غرب البلاد، ما أدى إلى مقتل وفقدان ثلاثة وخمسين شخصًا بينهم رضيعان، وفق ما أعلنته المنظمة الدولية للهجرة.
وأوضحت المنظمة حينها أن القارب أبحر من مدينة الزاوية غرب ليبيا في وقت متأخر من مساء الخامس من فبراير، قبل أن يتعرض لتسرب المياه بعد ساعات من الإبحار في عرض البحر، ما أدى إلى فقدانه التوازن وانقلابه بينما كان على متنه مهاجرون ولاجئون من عدة دول أفريقية.
وحسب إفادات الناجيتين الوحيدتين من تلك الحادثة، فقدت إحداهما زوجها خلال الغرق بينما أكدت الأخرى وفاة رضيعَيها في البحر، في حادثة وصفتها المنظمة الدولية للهجرة بأنها من أكثر الحوادث الإنسانية مأساوية منذ بداية العام.
وتشير بيانات مشروع المهاجرين المفقودين التابع للمنظمة الدولية للهجرة إلى أن طريق وسط البحر الأبيض المتوسط، الذي يربط السواحل الليبية بإيطاليا ومالطا، لا يزال المسار البحري الأكثر خطورة بالنسبة للمهاجرين غير النظاميين، حيث سُجلت مئات حالات الوفاة والفقدان خلال السنوات الأخيرة.
وفق البيانات ذاتها، شهد شهر يناير الماضي وحده وفاة أو فقدان ما لا يقل عن ثلاثمئة وخمسة وسبعين مهاجرًا في حوادث غرق مختلفة في البحر المتوسط، بينما تجاوز عدد الضحايا خلال عام 2025 أكثر من ألف وثلاثمئة شخص.
وتشير تقديرات المنظمة الدولية للهجرة إلى أن ليبيا لا تزال إحدى أبرز نقاط الانطلاق الرئيسية للهجرة غير النظامية نحو أوروبا، نتيجة موقعها الجغرافي على الساحل الجنوبي للمتوسط، إضافة إلى ضعف الرقابة على السواحل واستمرار نشاط شبكات تهريب البشر.
ويرى مراقبون أن استمرار هذه الحوادث يعكس تعقيد ملف الهجرة غير النظامية في ليبيا، حيث تتداخل فيه عوامل متعددة تشمل الأزمات الاقتصادية في دول المصدر، والنزاعات المسلحة في بعض مناطق أفريقيا، إلى جانب نشاط شبكات التهريب التي تنظم رحلات بحرية غير آمنة مقابل مبالغ مالية كبيرة.
كما يشير خبراء إلى أن كثيرًا من القوارب المستخدمة في عمليات التهريب تكون غير مجهزة للإبحار لمسافات طويلة في عرض البحر، وغالبًا ما تكون مكتظة بعدد كبير من الركاب يفوق قدرتها الاستيعابية، ما يزيد من احتمال انقلابها عند مواجهة أي تغير في الظروف الجوية.
وفي المقابل، كثفت السلطات الأوروبية خلال السنوات الماضية جهودها للحد من الهجرة غير النظامية عبر البحر المتوسط، من خلال دعم عمليات المراقبة البحرية والتعاون مع السلطات الليبية في اعتراض القوارب قبل وصولها إلى السواحل الأوروبية.
غير أن منظمات حقوقية ترى أن هذه الإجراءات لم تُسهم في تقليص الظاهرة بقدر ما دفعت شبكات التهريب إلى تغيير مساراتها أو استخدام قوارب أكثر خطورة، وهو ما أدى إلى استمرار تسجيل حوادث الغرق بشكل متكرر في هذا المسار البحري.
وفي ظل استمرار هذه الكوارث الإنسانية، تدعو منظمات دولية إلى تعزيز التعاون الدولي لمكافحة شبكات تهريب البشر، وتوفير مسارات هجرة آمنة ومنظمة، إلى جانب تحسين عمليات البحث والإنقاذ في البحر المتوسط، بهدف الحد من الخسائر البشرية التي تتكرر سنويًا على هذا الطريق البحري الخطير.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك