القاهرة ــ «القدس العربي»: أقيم في (قصر الفنون) في دار الأوبرا المصرية في القاهرة «مُلتقى القاهرة الدولي لفن الخط العربي» في دورته العاشر، تحت عنوان (بالحروف.
سلام)، وتحمل هذه الدورة اسم الفنان الراحل الحاج سيد عبد القادر، وشهرته (الحاج زايد) تقديراً لمسيرته وإسهاماته في هذا الفن.
إلى جانب الأعمال المُشاركة للفنانين المصريين، جاء العديد من الأعمال من بلدان مختلفة غربية كفرنسا وإيطاليا، وكذلك من دول الشرق، التي تأتي الصين على رأسها، إضافة إلى العديد من الدول العربية.
واللافت في معرض هذا العام هو، كيفية التعبير بالحرف العربي عن حضارات وثقافات مختلفة، من دون أن يكون هذا الخط غريباً، أو دخيلاً على الموضوع الفني للوحة أو التصميم، إضافة إلى الخروج عن تقليدية لوحات الحروف العربية على إطلاقها، ومحاولة دمج هذا الخط مع تكوين تشكيلي حديث، ما يجعله قادراً بحق أن يتحاور مع حضارات ومدارس فنية مختلفة، ولتصبح له جمالياته الحداثية التي تليق بتاريخه العريق.
يأتي في الغالب التعامل مع الخط العربي من منظور ديني، نظراً لارتباطه بالقرآن الكريم، كما أن فكرة التجسيد كانت بعيدة عن الفنان وفق هذا المنظور أيضاً، إلا أنه تحايل على فكرة التجسيد بالتشكيل من خلال التكرار وطريقة رسم الكلمات ـ العمل من خلال الحالة دون صورتها ـ ليجعل من خطوطه حكايات تتداخل وتتحاور وفق نوع الخط المُستخدم في عمله الفني، فنجد خطوطاً حادة وأخرى منحنية، وهو ما يبدو في الاختلاف بين الآيات التي تمثل قدرة الله المطلقة، وكذا الرحمة بمخلوقاته، إضافة إلى أن هذا الاختلاف يُعد شكلاً من أشكال التوافق والتكامل بين الذكر والأنثى.
من ناحية أخرى اتخذ هذا التشكيل شكلاً معهوداً، ليس قاصراً على مجرد التشكيل في الفراغ ـ وهي لوحات لها جمالياتها أيضاً ـ معهوداً في دور العبادة كالثريات، فيأخذ التكوين شكلها، أو من خلال الأشكال الهندسية كالمربع والمثلث والدائرة، والأخيرة خاصة بما لها من مدلول صوفي مؤثر في تكوين وروح المتلقي، والفنان بالطبع من قبل.
ومع الانفتاح على المدارس الفنية الحديثة، وكذلك انجذاب الفنان الغربي إلى هذا الفن (الخط العربي)، بدأت فكرة التجسيد من خلال الخط ـ بخلاف الفن الفارسي الذي لم يتخل قط عن التجسيد ـ لتبدأ بالطيور على سبيل المثال، وجميع عناصر الطبيعة، وصولاً إلى الجسد الإنساني، ليصبح عنصراً أساسياً في تكوين اللوحة، إلا أن مسألة التجسيد لم تكن بالأمر الهين، فقليل من الفنانين استطاعوا أن يدركوا حِرفية التواصل بين الجسد والكلمة، وتوظيفهما في عمل فني بعيد عن الدعائية أو التقليد.
ومن الحركة واللون يتولد إيقاع اللوحة، وكذا علاقة مقدمتها بالخلفية، هذه الخلفية التي قد تتباين أشكالها، كشكل من أشكال العمارة الإسلامية، أو آيات قرآنية متداخلة بخط يختلف عن الآية الأساسية التي تتصدر اللوحة.
أما الحركة فيمكن الإحساس بها من خلال طبيعة الحرف وطريقة رسمه في تكوين الكلمة أو العبارة أو الآية ككل، أو تصبح السماء هي الخلفية التي تتناسب والآيات القرآنية، كالأحمر القاتم عند تصوير آيات الجحيم، أو الزرقة الصافية عند الآيات التي تدعو إلى التدبّر في أحوال الكون.
وقد ينحو الفنان نحواً آخر عندما يقف الحرف بذاته في اللوحة وفق شكل الخط المُختار، خاصة الحروف التي تم تأويلها عند الصوفية، أو الحروف المقدسة التي تأتي مفردة في بدايات سور القرآن، وهنا يريد الفنان خلق حالة يتأملها المُتلقي، حتى يفك شيفرة اللوحة قدر استطاعته، ربما يتجاوز دوره ويتوحد والفنان في حالته الشعورية.
يأتي مُلتقى القاهرة للخط العربي في دورته العاشرة حاملاً سمات تباين الأعمال الفنية وفق ما سبق ذكره من تشكيل وتجسيد، ورغم أن هناك تجديدا دائما في هذا الفن، واستخدام أساليب معاصرة في تنفيذه، إلا أنه من السهولة اكتشاف التجارب الصادقة فنياً، والأخرى التي لا تستدعي سوى الإدهاش اللحظي، التي تنهار بعدها، ويتم اكتشاف تهافت أصحابها، وما التكنولوجيا أو التوسل بالتقنيات، إلا عناصر تخضع أولاً وأخيراً إلى روح الفنان ومخيلته.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك