الاكتئاب والاضطرابات النفسية والقلق، وانعدام القدرة على مواجهة المشكلات، والعزلة الاجتماعية، والرغبة الشديدة في لفت الانتباه، والعزلة والإحساس بالذنب، هذه مجموع العوامل التي قد تدفع الفرد لانتحار ارادي – بمعنى تفاعلها جميعا لتوليد لحظة القرار – وليس بمعنى توفر الارادة المنبثقة عن الصحة النفسية العقلانية، والكم المعرفي للانسان، فالانتحار لحظة لا مجال فيها للعودة والتراجع بعد انهيار صحته العقلية للفرد وفقدان التوازن وانفجار آلية إعمال عقله.
لكن ماذا عن انتحار الجماعات والدول، وهل يجب ان تتوفر هذه الدوافع ليحدث أم هنالك عوامل اخرى اضافية تسهم في بلوغ نقطة الانتحار اللاإرادي، وكيف يحدث هذا الانتحار رغم أن الأمر مرتبط بجمع قد يكون عشرات ومئات وآلافا أو عشرات الآلاف أو مئات الآلاف وملايين أيضا، إذ لا يعقل وقوع الجميع تحت شروط توفر الانتحار الفردي كما يبدو للوهلة الأولى، لكن معرفة الأسباب بالبحث والدراسة وقراءة الوقائع بعقل متجرد من الأحكام المسبقة، أو المواقف والمفاهيم الجاهزة تيسر لنا وضع النقاط على الحروف، وتبين اسباب انتحار جماعات اتخذت شكل حزب وتمكنت من الهيمنة على هرم دولة سياسيا واقتصاديا وأمنيا وعسكريا وثقافيا، وفرضت نظاما اجتماعيا مانعا بالدرجة الاولى للحرية وسد سبلها المؤدية حتما الى المعرفة اللازمة- كالروح للجسد – إعمال العقل – وإخضاع مناحي الحياة كافة للحكمة، والبصيرة العقلانية الواقعية.
تبدأ ملامح وعلامات الأسباب والدوافع المؤدية الى الانتحار الفردي بالظهور على جماعات وأحزاب وأنظمة دول بعينها على شكل تضخم عددي خال من المضمون والمبادئ التي انشئت على أساسها، وانحراف واضح عن قيمها (الأخلاقية) الموثقة والمعلنة، ما يحتم التطرف كنتيجة للغرور، ثم اخذ السلاح والعنف المادي والمعنوي سكتين لمسار قطار الهيمنة وإخضاع الآخر وبسط وتمدد، وتتجه نحو الانتحار (هرولة) عندما تتبنى تستخدم الاعلام (مخدراً) مُسكِراً، باعثا على المتعة الوهمية، وفرض روايتها المحبوكة بمفردات ومصطلحات عرقية او دينية أو مذهبية أو طائفية، أو طبقية كمسلمات غير قابلة للنقد والنقاش، كما تفرض مواقفها وقراراتها كأحكام غير قابلة للنقض!أما الخطاب المنبري السياسي، المرفوع على لغة الخطاب العقائدي (الايديولوجي) فلا يختلف عن مقومات الخطاب الاعلامي إلا بزيادة نسبة تركيز (المخدر) اللازم لإنتاج (الوهم) وتشكيله بأساطير مخترعة، أو على (افعال مبنية للمجهول) ومنح المغامرة والمقامرة صفة معارك وحروب وإخراجها بتصاميم (تمييزية) قد تكون دينية أو عرقية أو غيرها، لضمان فاعلية أدوات التسلط على جمهور مكبل اصلا بعادات اجتماعية ومفاهيم دينية وسياسية محرفة ومزيفة زادته قصورا وضعفا الى حد أصابته بمرض (الضمور البقعي) أي ضعف الرؤية المركزية، ما يؤدي حتما إلى منعه من رؤية المعاني الحقيقية للحياة، وجوهرها المشيئة (الارادة) والحرية.
والأفظع يحدث عندما يمنح جمهور الجماعة والمنتفعين والمتنفذين والمتكسبين ماديا ومعنويا من نظام الدولة تفسيرات اسطورية محلاة (بالخرافة) ويأخذ ما يسمعه في الخطابين السياسي والإعلامي مقدسا، فالتفكير بما يرى ويسمع ويلمس ويحس وإعادة النظر، والنقاش والبحث محرمات أو وفقا للتعاليم الصارمة التي صورت له على أنها من متن خطة (العدو) لاختراق الجبهة الداخلية! !

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك